تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

اراء و تقارير · السطح

موسم الزيتون في الضفة .. يبدأ بالقطاف وينتهي بالاعتقال

· 5 دقائق قراءة

113
موسم الزيتون في الضفة .. يبدأ بالقطاف وينتهي بالاعتقال

عمان 1 - عبر البوابة الحديدية الصفراء عند المدخل الشرقي لقرية رنتيس، غرب مدينة رام الله، اتجهنا برفقة مزارعين ومتضامنين أجانب نحو "خلة التين الشامي"، في معايشة لموسم قطف الزيتون في القرية.

يمر الطريق إلى المكان عبر شارع 465 الالتفافي الاستيطاني، الذي شُق على حساب أراض من القرية وفصلها عن امتدادها الزراعي في المنطقة، ضمن شبكة من الطرق والبوابات التي جعلت وصول المزارعين إلى أراضيهم أكثر صعوبة وخطورة.

وتعد "خلة التين الشامي" من أخصب أراضي رنتيس، وتمتد على قرابة 4 آلاف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع)، غالبيتها مزروعة بالزيتون. لكن منع الأهالي من الوصول المنتظم إليها والعناية بها خلال السنوات الثلاث الأخيرة ترك أثره واضحا، إذ غطت الأعشاب اليابسة مساحات واسعة بين الأشجار.

ولم يمر يوم القطاف بهدوء، إذ اقتحم الجيش الإسرائيلي الأراضي وصادر محصول زيتون جمعه مزارعون هناك، قبل أن يطرد آخرين من أراضيهم ويمنعهم من استكمال القطاف.

الزيتون الذي علّم الأبناء

في هذه المنطقة، بدأ تيسير الشيخ زراعة أرضه بالزيتون عام 1985، ووسعها تدريجيا حتى بلغت نحو 25 دونما. يقول إن موسما جيدا قبل نحو عامين أنتج له قرابة 40 تنكة من زيت الزيتون (تتسع التنكة لنحو 16 كيلوغراما)، وإن مردود الأرض ساعده، إلى جانب راتبه من التدريس، في تعليم أبنائه وبناته: "أنا مدرس، والراتب وحده لم يكن يكفي.. الزيتون ساعدني في دفع أقساط أولادي وتعليمهم".

لكن علاقته بالأرض تبدلت خلال العامين الأخيرين مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وصعوبة الوصول إليها والعناية بها. ويستعيد إحدى محاولاته الأخيرة للقطاف: "جئنا قبل أسبوع وقطفنا نحو ساعتين، وفي اليوم التالي جاء مستوطنون واعتدوا علينا ومنعونا من مواصلة القطف".

يقول الشيخ إن أحد المستوطنين ادعى ملكية الأشجار رغم أنه زرعها بنفسه بعد أن درس الزراعة في معهد خضوري بطولكرم، مضيفا: "قلت له أنا زرعت هذه الأشجار، فكيف أصبحت لك؟ اقترب مني وهو يحمل السلاح، وبدأ يدفعني ويضربني". وبحسب شهادته، استولى المستوطنون على الزيتون الذي جمعته العائلة وبعض معدات القطاف والسلالم قبل طردها.

ولا يرى تيسير الشيخ الخسارة في الثمار وحدها، بل في تراجع الأشجار بسبب تعذر حراثتها والعناية بها، قائلا: "الزيتون يتبسم لصاحبه عندما يكون إلى جانبه، لكن انظري إليه الآن، الأشجار ضعفت ولا يوجد ثمر كما كان سابقا". ويؤكد أن الأراضي ليست مصادرة رسميا، لكن مستوطنا أقام سياجا في أجزاء من المنطقة وبدأ بمنع الأهالي من الوصول إليها.

السير إلى "خلة الرقيق"

في اليوم التالي، كانت رحلة الوصول إلى الأراضي أكثر تعقيدا، حيث اتجه سلامة إسماعيل وأفراد من عائلته برفقة المتضامنين إلى أراضيهم في منطقة "خلة الرقيق" سيرا على الأقدام، ولم يستخدم أحد منهم سيارة للوصول إلى الأرض، خشية المستوطن الموجود على الجبل المطل على الخلة ومراقبته تحركات المزارعين.

620 شجرة زيتون

تبلغ مساحة أرض سلامة إسماعيل (70 عاما) نحو 25 دونما وتضم قرابة 620 شجرة زيتون. بدأت عائلته زراعة الأرض منذ عام 1996، وكانت تزرع إلى جانب الزيتون البصل والبامية والبطاطا ومحاصيل أخرى، إضافة إلى البرتقال والعنب.

يقول إسماعيل مستعيدا سنوات كانت العائلة تقضي خلالها وقتا طويلا في الأرض: "كنا نجي مع أولادنا، ونزرع ونوكل ونشرب". لكن اليوم تبدلت الحال "لما نجي هان (نأتي هنا) بطردونا، وبنهرب منهم، وبلحقونا بالجبل بالكلاب".

ويضيف أن العائلة قدمت للجهات الإسرائيلية ما لديها من أوراق تتعلق بملكية الأرض، لكنها بقيت تواجه صعوبة في الوصول إليها، كما منعهم المستوطنون مرات من الحراثة والعناية بالأشجار وأدخلوا أبقارهم إلى الأرض، مما ألحق أضرارا بمحاصيل وأشجار كانت العائلة تزرعها.

وبحسب إسماعيل، تعرضت العائلة لنحو 10 اعتداءات، شملت تحطيم هواتف أبنائه والاستيلاء على المياه ومرشات زراعية وهذا انعكس على الإنتاج، إذ يشير إلى أن العائلة كانت تنتج في بعض المواسم نحو 10 تنكات من الزيت تفي باحتياجاته مع أبنائه طوال العام ويبيع جزءا منها، بينما محصولها اليوم ربما لا يتجاوز 3 تنكات لا تفي حتى لاستهلاك العائلة.

متضامنون في الحقول

ولا تبدو تجربة قرية رنتيس منفصلة عن استهداف أوسع للأراضي الزراعية في الضفة الغربية. وبحسب معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان للأعوام الثلاثة الماضية، تسببت اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين في إتلاف نحو 147 ألف شجرة، منها نحو 100 ألف شجرة زيتون.

رافقت مجموعة من المتضامنين من البرتغال وجنسيات أخرى قاطفي الزيتون في رنتيس، وشارك بعضهم في موسم الزيتون بصورة متكررة ويتنقلون خلال العام بين مناطق مختلفة في الضفة الغربية لمرافقة المزارعين والتجمعات الفلسطينية.

وكان من بينهم البرتغالي فريديريكو كاريرو، أو "فريد" كما يناديه الفلسطينيون، البالغ 26 عاما، وبرفقته الصحفي البرتغالي ريكاردو إستيفيش ريبيرو، غير أنهما اعتقلا وقررت سلطات الاحتلال ترحيلهما.

اعتقال فإبعاد

وقبل اعتقالهما بساعات، قال فريد إن متابعته اعتداءات المستوطنين دفعته إلى البحث عن وسيلة لمساندة المزارعين الفلسطينيين بشكل مباشر، مضيفا: "أدركت أن الوجود على الأرض مهم جدا، وأن وجود متضامنين دوليين خلال موسم قطف الزيتون قد يكون له تأثير في محاولة ردع عنف المستوطنين والجيش".

ويصف فريد وجوده بين العائلات بمزيج من دفء الموسم وحالة الترقب، قائلا: "هناك شعور دافئ جدا في الوجود بين حقول الزيتون ومشاركة الطعام تحت الأشجار"، لكنه يلفت إلى أن "هذا الهدوء قد يختفي في أي لحظة".

أما أكثر ما استوقفه فهو تمسك الأهالي بتفاصيل الموسم رغم العنف، موضحا: "لا يزال الناس يجدون لحظات للفرح، يأكلون تحت أشجار الزيتون ويغنون ويتمسكون بفرحة وجودهم في أرضهم".

وبعد ساعات قليلة من المقابلة، ظلت الطائرة المسيّرة تحوم فوق المزارعين والمتضامنين، قبل أن يقتحم الجيش المنطقة وينهي القطاف.

قطاف ينتهي بالاعتقال

دخلت قوة من الجيش الإسرائيلي إلى "خلة الرقيق" وبقيت قرابة ساعة، قبل أن تمنع المزارعين والمتضامنين من مواصلة القطاف، وهو ما اضطر المجموعة إلى المغادرة سيرا عبر الطريق الوعرة.

وأثناء المغادرة، لحق بالمجموعة الجيب العسكري ومركبة أخرى، ثم نزل الجنود وطلبوا من الموجودين التوقف وإبراز هوياتهم. في حين تركز اهتمامهم بداية على فريد، قبل أن يعتقلوه برفقة الصحفي ريبيرو ويقتادوهما إلى جهة لم تكن معلومة للمجموعة حينها.

وبعد نحو يوم كامل على اعتقالهما، وحتى لحظة إعداد التقرير، أفاد رفاقهما بأنهما لا يزالان محتجزين في مطار بن غوريون، وأنهما تمكنا من لقاء ممثل عن القنصلية البرتغالية، تمهيدا لترحيلهما قسرا إلى البرتغال مساء السبت.

يأتي اعتقال المتضامنين في وقت تتصاعد فيه الدعوات الإسرائيلية لتشديد الإجراءات بحق النشطاء والمتضامنين خلال موسم الزيتون. ففي الثامن من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وجّه وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس بالعمل على إصدار أوامر إبعاد إدارية بحق نشطاء تعتبر السلطات أن نشاطهم يهدد "النظام العام أو الأمن" في الضفة الغربية، بعد طلب من رئيس مجلس المستوطنات "يشع"، يسرائيل غانتس، لاتخاذ إجراءات بحق نشطاء إسرائيليين وأجانب ينشطون في مناطق قطف الزيتون.

من اراء و تقارير

أحدث الأخبار