تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

دراسات وابحاث · الجذر

من ساحة المدرسة إلى شاشة الهاتف.. كيف يدمر التنمر أطفالنا؟

· 6 دقائق قراءة

113
من ساحة المدرسة إلى شاشة الهاتف.. كيف يدمر التنمر أطفالنا؟

عمان 1 - فاتن فيفاني

طبيبة نفسية ومؤسسة ورئيسة الجمعية المغربية للطب النفسي للأطفال والمراهقين سابقا.

قد يظن البعض أن هذه مجرد سلوكيات بغيضة، تعبر عن تفكك القيم في الغرب وانهيار المنظومة الأخلاقية لديه، لكن هيهات! فالدول العربية لا تخلو من حوادث شبيهة.

تحيل هذه الحوادث المتكررة المنتشرة في جميع بقاع العالم، إلى أن ما كان ينظر إليه طويلا كمجرد خلافات عابرة وطبيعية بين التلاميذ، أصبح يمثل اليوم مشكلة أساسية من مشاكل الصحة العامة، من حيث مدى انتشارها وخطورة العواقب التي تنجم عنها.

ومن هنا تبرز إشكالية محورية: في ظل الانتشار المتزايد للتنمر المدرسي واتساع نطاقه في الفضاء الرقمي، كيف يمكننا العمل على الكشف المبكر عن الآثار النفسية والاجتماعية وترسيخ آليات الوقاية منها والتكفل بها، سواء على مستوى المدرسة أو الأسرة أو على مستوى تأهيل الطلاب أنفسهم؟

ماذا تقول الدراسات النفسية عن المتنمر؟

يمكن تلخيص الآليات النفسية الأساسية التي تصنع متنمرا في 3 مفاهيم:

يتعلم الطفل السلوك العدواني من الآخرين من خلال مشاهدتهم، خاصة إذا رأى أنهم يحققون مكاسب بسببه.

التعزيز السلوكي: عندما يمنح التنمر صاحبه السلطة، أو المكانة أو السيطرة، قد يتكرر السلوك لأنه أصبح وسيلة لتحقيق هدف معين.

الانفصال الأخلاقي: يبرر المتنمر أفعاله، أو يقلل من أهميتها وخطورتها: (كنت أمزح فقط، لم أقصد،…)، مما يساعده على مواصلة إيذاء الآخرين.

هل كل متنمر طفل تعرض للتنمر أو العنف؟

هذه فكرة شائعة لكنها غير دقيقة. فقد يكون بعض المتنمرين ضحايا سابقين، بينما يترعرع الآخرون في أسرة تبدو مستقرة.

ولا يمكن تحديد السبب في السلوك وحده، لكن ينبغي تحليل ظروف الطفل، وطريقة تعامله مع السلطة والأقران، ومدى إدراكه للأذى الذي يسببه.

لكن أهم نقطة تتجلى في الآتي: فهم آليات التنمر لا يعني أبدا تبرير هذا السلوك المشين، حيث يحتاج المتنمر إلى حدود واضحة، وجزاء مناسب، إلى جانب حضور دورات ضبط الانفعالات، وتعليم التعاطف (مثلا تعطى دروس في هذا الشأن في الدانمارك، وهي إجبارية في المؤسسات التعليمية منذ عام 1993)، وكيفية بناء علاقات صحية.

هل توجد معطيات دقيقة حول نسب انتشار ظاهرة التنمر؟

أجري العديد من الدراسات في هذا الصدد نذكر منها دراسة مهمة نشرت نتائجها في سبتمبر/أيلول 2026، ضمت أكثر من 138 ألف مراهق من بلدان مختلفة (آسيا، أمريكا وأوروبا)، وقد وَجدت نسبا متباينة مع تسجيل معدلات مرتفعة تصل إلى أكثر من 50% من التنمر المدرسي والإلكتروني، خاصة في دول شرق أوروبا.

كما أنه، وفقا للبيانات والتقارير الصادرة عن منظمة اليونسكو، فإن منطقة شمال أفريقيا تسجل ثاني أعلى معدل تنمر مدرسي في العالم مع متوسط يصل إلى 42.7%.

أما منطقة الشرق الأوسط، فتحتل المرتبة الثالثة عالميا بمعدل 41.1%، مع نسب تتراوح حسب الدول بين 17.5% و59.5%.

وقد أبرزت دراسة اليونسكو فروقا تحدد نوع التنمر، حيث يكون الفتيان في البيئة العربية أكثر عرضة للتنمر البدني والعنف الجسدي، بينما تتعرض الفتيات أكثر للتنمر النفسي والاجتماعي (نشر الشائعات أو الاستبعاد)، بالإضافة إلى التنمر الإلكتروني عبر منصات التواصل.

ما هي عوامل الخطورة التي تجعل المراهقين عرضة للتنمر؟

توجد عدة عوامل، يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مجالات أساسية:

1- عوامل فردية:

تشمل الاختلافات الجسدية والثقافية (مظهر جسدي، وزن، عرق، لهجة مختلفة، أسلوب لباس ينظر إليه على أنه خارج عن المألوف)، أو وجود إعاقة جسدية أو ذهنية، أو صعوبات التعلم، أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو اضطرابات الكلام.

خصائص ذاتية: الخجل المفرط، الانطواء، انخفاض تقدير الذات، الرهاب الاجتماعي.

النجاح والتميز: امتلاك مواهب أو تحقيق نجاح وتفوق ملحوظ قد يجعل المراهق مستهدفا من بعض أقرانه.

2- عوامل أسرية وتربوية: استخدام أسلوب تربوي غير ملائم إما باللجوء المفرط للسلطة والعقاب الجسدي والعنف اللفظي؛ أو على العكس الحماية المفرطة التي تمنع الطفل من تطوير استقلاليته وبناء علاقات اجتماعية متكافئة.

ولا ننسى تأثير نقص الدعم الأسري حيث إن غياب الوالدين وضعف مشاركتهما في حياة الطفل وضعف التواصل داخل الأسرة، أو وجود صراعات قد يجعل الطفل منعزلا حين وقوع التنمر.

3- عوامل مرتبطة بالبيئة المدرسية: ونذكر من بينها المرحلة الانتقالية بين التعليم الابتدائي والإعدادي، ثم ضعف روح التضامن لدى الأقران، مع وجود صراعات داخل الفصل.

كما أن للطاقم التربوي داخل المؤسسة دورا مهما إذ يؤدي نقص التأطير والدعم من قبل الأساتذة والإدارة إلى تفاقم الأوضاع في بعض الأحيان.

4- وأخيرا يمكن أن ينتج التنمر عن الوصم المؤسسي: عند ضعف إدماج بعض التلاميذ أو الإفراط في إبراز وتمييز بعض برامج الدعم المدرسي مثل الأقسام المتخصصة أو الامتحانات المكيفة.

وتترتب على التنمر المدرسي والإلكتروني آثار مباشرة مثل المعاناة النفسية، والعزلة الاجتماعية وفقدان تقدير الذات واضطرابات النوم، والقلق والاكتئاب.

وقد يصل الأمر إلى عواقب أكثر خطورة مثل رفض الذهاب إلى المدرسة، والانقطاع الدراسي، وإيذاء النفس، والأفكار الانتحارية التي تفضي في بعض الحالات المأساوية إلى الانتحار.

ويتميز التنمر الإلكتروني بكون آثاره طويلة الأمد إذ إن استمرار المنشورات والمحتويات على الإنترنت يجعل الصدمة النفسية تستمر حتى بعد توقف الاعتداءات.

ما هي الآليات الناجعة للتعامل مع هذه الظاهرة؟

أبرزت جميع الدراسات الحديثة أن مواجهة ظاهرة التنمر والتصدي لآثارها الهدامة تتطلب العمل على عدة جبهات مختلفة، وأن تضافر الجهود وحده يعطي ثمارا طيبة، بين تدخلات مدرسية، وأخرى أسرية وفردية.

1- التدخلات المدرسية:

وضع سياسة دائمة لمكافحة التنمر وليس الاكتفاء بحملة مؤقتة وظرفية.

تدريب الأساتذة والموظفين على التعرف على علامات التنمر.

التدخل على مستوى الصف الدراسي بأكمله.

تأهيل المراهقين ليصبحوا متدخلين إيجابيين (Upstanders) بدلا من أن يكونوا متفرجين سلبيين، وذلك من خلال عدم المشاركة في الضحك، وعدم إعادة نشر المحتوى المسيء، وعدم الإعجاب به، وتقديم الدعم للضحية بطريقة سرية، وإبلاغ شخص بالغ عبر آليات مؤسساتية تضمن سلامة وسرية الأمر.

العمل مع الشهود وتدريبهم على التدخل والإبلاغ عبر توفير نظام بسيط وسري للإبلاغ عن حالات التنمر.

ضمان المتابعة لعدة أسابيع أو أشهر بعد التدخل للتأكد من استمرار التحسن وعدم عودة التنمر.

2- على المستوى الأسري:

يجب الحفاظ على حوار مستمر مع المراهق، عبر السؤال الدائم عما يعيشه داخل المدرسة، ومراقبة استعمال الهاتف النقال وتنظيم الولوج إلى وسائل التواصل وعدد الساعات التي يقضيها يوميا في الفضاء الإلكتروني. كما يجب تفادي إلقاء اللوم على الضحية أو التقليل من معاناتها.

ومن واجب الأسرة الاحتفاظ بالأدلة الرقمية كالرسائل النصية، والفيديوهات والحسابات الإلكترونية المسيئة حتى تكون ملفا يشكل حجة دامغة أمام المؤسسة والقضاء على حد سواء.

ويظل تعاون الأسرة والمؤسسة ضروريا في جميع الحالات.

3- على مستوى الطفل أو المراهق:

يجب تشخيص ومعالجة الآثار النفسية كالقلق، والاكتئاب والأفكار الانتحارية، مع توفير مقاربة خاصة حسب كل حالة.

هل هناك وسائل وقائية من التنمر المدرسي والإلكتروني؟

نعم، يمكننا التدخل قبل وقوع الضرر، وذلك من خلال عدة آليات:

1- وسائل الوقاية من التنمر المدرسي:

وضع قواعد واضحة عبر سياسات صارمة ترفض التنمر وتحدد عواقب واضحة ومناسبة لكل من يمارسه.

مراقبة الأماكن التي يكثر فيها حدوث التنمر مثل الملاعب، والممرات ودورات المياه.

التدخل السريع وفصل الأطراف المعنية فورا.

تعزيز التعاطف بين التلاميذ عبر تنظيم أنشطة ونقاشات في الفصول تشجع الاحترام المتبادل وتقدير الاختلافات بين الطلاب.

2- أما وسائل الحماية من التنمر الإلكتروني، فتتضمن خطوات تقنية وأخرى تربوية:

الإجراءات التقنية: من بينها ضرورة تفعيل تطبيقات التحكم الأبوي (Family Link) لتحديد وقت الشاشة، ومراقبة المحتوى، وتصفية المواقع.

كما يجب ضبط حسابات الأبناء الرقمية وألعاب الفيديو لتكون خاصة (Private) مع تعطيل خاصية الموقع الجغرافي.

الإجراءات التربوية: تعليم الأبناء مفهوم الأثر الرقمي، أي أن كل ما ينشر على الإنترنت يترك أثرا، لذلك يجب التفكير مليا قبل النشر.

كما يجب توعية الأبناء بعدم قبول صداقة أو فتح رسائل من حسابات مجهولة أو غرباء؛ وضرورة التوجه فورا للأبوين عند الشعور بالضيق أو التهديد.

ومن الأساسي بناء بيئة أسرية آمنة، مع خلق حوار دائم ومفتوح، يضمن عدم خوف الأبناء من العقاب أو سحب الأجهزة إذا تعرضوا للتنمر.

وأخيرا تبقى مراقبة التغييرات السلوكية المفاجئة (قلق، عزلة، إلخ) من أهم المؤشرات التي تفضي إلى تشخيص مبكر.

ولا ننسى دور السياسات العمومية في مجال التربية على المواطنة الرقمية انطلاقا من المستوى الإعدادي، وذلك لحث المراهقين على تفعيل الحظر أمام أي محتوى مسيء، وعدم إعادة نشره أو الإعجاب به، والاحتفاظ بأدلة الإدانة.

فالوقاية لا تقتصر فقط على التقليل من استعمال الهاتف النقال والتطبيقات الإلكترونية، وإنما تتطلب أن نعلم أطفالنا كيفية استخدام هذه التكنولوجيا بطريقة سليمة، آمنة ومنظمة.

يعيش العالم حاليا ثورة رقمية منقطعة النظير، مع زحف مخيف للذكاء الاصطناعي واستعمال الشاشات بمختلف أنواعها. وبالتوازي مع هذا الوضع، لا يمكننا إلا أن نلاحظ استفحال أزمة أخلاقية بين الأطفال والمراهقين، حيث يولد تعرضهم للعنف بطريقة مستمرة عبر ألعاب الفيديو واستهلاكهم المستمر لما تسوقه التطبيقات من نماذج تصور النجاح بطريقة نمطية (الشكل والماديات أولا)، نظرة ضيقة الأفق لدورهم في الحياة ولطموحاتهم.

بيد أنه من المستحيل إيقاف التطور الرقمي، ومن ثم فعلينا إيجاد حلول تركز على البناء الجيد للفرد منذ الطفولة، والتركيز على أسس تربوية تعزز القيم الكونية وتنمي الحس النقدي لدى الناشئة، ليتمكن أطفالنا من حماية أنفسهم والسير بخطى ثابتة نحو مستقبل أفضل.

من دراسات وابحاث

أحدث الأخبار