تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

مقالات · الوسط

إذا لم تتوقف العدالة عن تهديدنا فسنوقفها نحن.. هكذا يفكرون في أمريكا

بقلم: فضل عبد الغني

· 8 دقائق قراءة

113
إذا لم تتوقف العدالة عن تهديدنا فسنوقفها نحن.. هكذا يفكرون في أمريكا

عمان 1 - فضل عبد الغني

مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وضعت وزارة الخزانة الأمريكية المحكمة الجنائية الدولية على قائمتها الرئيسية للعقوبات، وجاء القرار بعد ساعات من فوز نافي بيلاي، القاضية السابقة في المحكمة، بجائزة نوبل للسلام.

وظهر اسم المحكمة في القائمة كأي جهة تخضع للعقاب، ببيانات مشفوعة بدباجة إجرائية جافة يشمل العنوان وهو لاهاي، وتاريخ تأسيسها، ورقمها الضريبي الهولندي.

لكن الوزارة أصدرت في الإعلان نفسه أربعة "تراخيص عامة"، أي استثناءات تسمح للمحكمة بمواصلة جزء كبير من عملها اليومي.

الجديد هو الجهة المستهدفة. فقد سبق أن عاقبت واشنطن مسؤولين في المحكمة ومنظمات تتعاون معها، أما الآن فقد عاقبت المحكمة نفسها. وصار وصولها إلى جزء من الأموال والخدمات المرتبطة بالولايات المتحدة رهنا بإذن أمريكي تقول الإدارة إنها قد تعدّله تبعا لما تبديه الدول الأعضاء من تجاوب.

وتحتج واشنطن بالسيادة، وهي حجة قانونية جدية، لكنها لا تبرر إجراء بهذا الحجم. فالخلاف يدور حول حق المحكمة في النظر في قضايا محددة، أما الضغط فيطال كل ما تحتاجه المحكمة لتعمل، من المال إلى الخدمات.

وهذا هو الإكراه بمعناه الدقيق: ضغط هدفه إجبار المحكمة على تغيير سلوكها، أما هل هذا الضغط مخالف للقانون الدولي، وهل أضر بالمحكمة فعلا حتى الآن، فهما سؤالان مختلفان.

ولم تحتج واشنطن إلى قانون جديد لهذه الخطوة، فالأمر التنفيذي 14203، الذي أصدره الرئيس ترمب في فبراير/شباط 2025، يسمح بتجميد أموال وممتلكات الأجانب الذين يشاركون مباشرة في تحقيق المحكمة مع مواطنين أمريكيين أو مواطني دول حليفة، أو في ملاحقتهم، دون موافقة دولهم، وكذلك من يقدمون لهم دعما كبيرا.

والأمر لا يقتصر على الأفراد، بل يشمل المؤسسات أيضا، وقبل 9 أكتوبر/تشرين الأول، كان قد طبق على 13 مسؤولا في المحكمة، ومقررة خاصة لدى الأمم المتحدة، وثلاث منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان، فكان التعامل معهم مقيدا أصلا.

والجديد أن التعامل العادي مع المحكمة نفسها صار مقيدا حيثما وصلت السلطة الأمريكية، أي في كل ما يتعلق بالأموال والممتلكات الموجودة في الولايات المتحدة، أو التي في حوزة "أشخاص أمريكيين" أو تحت سيطرتهم، وهم بحسب الأمر التنفيذي المواطنون الأمريكيون والمقيمون إقامة دائمة والشركات الأمريكية، بما فيها فروعها وشركاتها التابعة في الخارج، وأي شخص موجود في الولايات المتحدة.

ولا يجوز لهؤلاء تقديم أموال أو سلع أو خدمات للمحكمة إلا بإعفاء أو ترخيص، والتجميد نافذ منذ لحظة الإعلان، أما ما ذكرته بعض التقارير من أن العقوبات لن تبدأ إلا بعد 180 يوما فهو عكس الحقيقة: فالعقوبات نافذة الآن، والتراخيص مجرد استثناءات منها.

وهذه الاستثناءات واسعة، فالترخيص رقم 13 يسمح، حتى 7 أبريل/نيسان 2027، بالمعاملات التي تحتاج إليها المحكمة عادة لمواصلة عملها وتنفيذ عقودها واتفاقاتها، أو لإنهائها بالتدريج.

وتوضح الإرشادات المرافقة له أن ذلك يشمل مساهمات الدول الأعضاء، والرواتب، والتأمين الصحي، والإيجار، والخدمات الأساسية والتجارية المعتادة، أي أن هذا الترخيص ليس أمرا بإغلاق المحكمة.

ويسمح الترخيص رقم 14، دون موعد انتهاء، بخدمات الاتصالات والإنترنت والبرمجيات، ومنها الخدمات السحابية. ويتعلق ترخيصان آخران أضيق نطاقا بالمعاشات التقاعدية وبالمحتجزين لدى المحكمة.

لكن الترخيصين الرئيسيين لا يسمحان بالتعامل مع الأفراد المعاقبين من قبل، وهذا قيد كبير؛ فبحسب أرقام المحكمة نفسها في أغسطس/آب الماضي، توجد على قائمة العقوبات أسماء 9 من قضاتها الـ18، ونائبي المدعي العام كليهما. وانتهاء مدة الترخيص رقم 13 لا يلغي التراخيص الأخرى، لكن واشنطن تستطيع تعديل أي منها أو إلغاءه.

وتصريحات الإدارة الأمريكية نفسها عن التراخيص تكشف الهدف الحقيقي من العقوبة، فقد قالت وزارة الخارجية إن ترخيص استمرار العمل، ومدته 180 يوما، يهدف إلى منح الدول الأعضاء وقتا لتثبت أنها تتقدم نحو حلول دبلوماسية وقانونية للمخاوف الأمريكية، وإنه "يمكن تعديله تبعا لنجاح تلك المساعي أو إخفاقها".

وكان وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر صراحة عندما قال: "إما أن تنهي المحكمة الجنائية الدولية تهديداتها، وإما أن ننهي نحن المحكمة الجنائية الدولية".

هذه التصريحات تكشف ما تريده واشنطن، لا ما حققته؛ فلا شيء حتى الآن يدل على أن المحكمة غيرت أي قرار. لكنها تبين أن الترخيص ورقة ضغط في التفاوض، لا مجرد وسيلة لإبقاء المحكمة تعمل، وأن الرسالة موجهة إلى الدول التي تمول المحكمة وتشرف عليها.

وهنا تمس العقوبة استقلال المحكمة، وهو استقلال له وجهان: قانوني وعملي. فنظام روما الأساسي، أي المعاهدة التي أنشأت المحكمة، يحمي في مادتيه 40 و42 القضاة والمدعين العامين من أي تعليمات خارجية. لكن عملهم في الواقع يعتمد على الرواتب والتأمين وأنظمة حفظ الأدلة والمصارف.

وحين يصبح الحصول على هذه الأشياء معلقا على إذن من حكومة ترفض سلطة المحكمة وتستطيع تغيير هذا الإذن متى شاءت، يبقى الاستقلال قائما على الورق، لكن المحكمة تعمل تحت ضغط دائم، حتى لو لم يتغير أي قرار قضائي.

ولا يقتصر هذا الخطر على القضايا التي تعترض عليها واشنطن. فالمحكمة تستخدم الأنظمة المالية والتقنية نفسها في كل قضاياها، ولذلك فإن قيودا فرضت بسبب تحقيقي أفغانستان وفلسطين قد تضر بقضايا أخرى، من دارفور إلى أوكرانيا.

وليس اعتراض واشنطن بلا أساس؛ فالولايات المتحدة لم تنضم إلى نظام روما الأساسي، وملاحقة مسؤولين من دولة لم تقبل سلطة المحكمة تثير أسئلة جدية: هل يجوز أن تحاكم المحكمة مواطني دولة لم توافق على الانضمام إليها؟ وهل يتمتع مسؤولوها بالحصانة؟ ومن حق أي دولة عادة أن تمنع من تشاء من استخدام نظامها المالي، ما دامت لا تخالف التزاما دوليا عليها؛ فهذا تصرف غير ودي، لكنه مشروع. ومع ذلك، فهذه الحجة لا تثبت كل ما تقوله الإدارة.

فالمادة 12 من نظام روما تمنح المحكمة سلطة النظر في الجرائم التي ترتكب على أرض دولة عضو، أيا كانت جنسية المتهم. وهي سلطة على الأفراد لا على الدول، وعليها استندت المحكمة حين قررت فتح التحقيق في أفغانستان عام 2020، وحين أصدرت قرارها بشأن فلسطين عام 2021.

وهذه السلطة لا تلزم الولايات المتحدة بالتعاون مع المحكمة، وتترك مسألة الحصانة لتبحث في كل قضية على حدة. كما تمنع المادة 17 المحكمة من النظر في أي قضية تتولاها دولة مختصة بتحقيق أو محاكمة جدية، وتسمح المادة 19 لهذه الدولة، عضوا كانت أم لا، بأن تعترض أمام المحكمة لهذا السبب.

أي إن أمام واشنطن طريقا قانونيا للاعتراض من داخل نظام روما نفسه. أما روبيو فيرى أن الأمريكيين لا يخضعون للمحكمة لمجرد أن بلادهم ليست عضوا فيها، وهذا ما لا يقوله نظام روما.

ثم إن قانونية العقوبات داخل الولايات المتحدة شيء، ومشروعيتها في القانون الدولي شيء آخر. فقوانين الطوارئ الأمريكية تجيب عن السؤال الأول فقط.

وحتى داخل الولايات المتحدة، لهذه العقوبات حدود: ففي قضية "رونا ضد ترمب "، حكمت محكمة فدرالية في نيويورك في 30 يوليو/تموز 2025 بأن منع أستاذي قانون من العمل مع المحكمة الجنائية الدولية، وهو عمل يقوم على الكلام وإبداء الرأي، يخالف حرية التعبير التي يكفلها الدستور الأمريكي.

لكن الحكم لا يحمي إلا الأستاذين اللذين رفعا الدعوى، ولا يتناول معاقبة المحكمة نفسها، أما على المستوى الدولي، فالتزامات كل طرف مختلفة. فهولندا، التي تستضيف المحكمة، ملزمة بموجب "اتفاق المقر" الموقع معها عام 2007 بأن تؤمن لها الخدمات العامة، وتحمي ممتلكاتها واتصالاتها وحريتها في التصرف بأموالها.

والدول الأعضاء ملزمة بنظام روما، لكن أيا من الاتفاقين لا يلزم الولايات المتحدة، ولا يجبر مصرفا خاصا على تنفيذ أي معاملة.

ولكي نقول إن العقوبات مخالفة للقانون الدولي، لا بد من تحديد قاعدة دولية ملزمة للولايات المتحدة، ثم إثبات أنها خالفتها. واعتراض كندا والدانمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة معا له وزن سياسي، لكنه لا يكفي لإثبات ذلك.

كما أن الإدارة لا تقول إن عقوباتها رد على مخالفة دولية ارتكبتها المحكمة، وهو ما يسمح به القانون الدولي في حالات محددة باسم "التدابير المضادة "، بل تستند إلى السيادة وقوانين الطوارئ الأمريكية.

ووجود القيود على الورق لا يعني أن ضررا فعليا قد وقع. فحتى كتابة هذه السطور، لا دليل على تجميد مساهمات الدول أو انقطاع الرواتب أو توقف أي إجراءات قضائية. أما الاضطرابات التي شهدها عمل المحكمة فقد سبقت العقوبة الأخيرة.

ففي 28 سبتمبر/أيلول، قرر مكتب جمعية الدول الأطراف، وهي الهيئة التي تضم الدول الأعضاء، نقل اجتماعها السنوي من نيويورك إلى لاهاي، مشيرا إلى عقبات قد تمنع بعض الدول من المشاركة إذا عقد في نيويورك؛ وتربط تقارير صحفية هذا النقل بالعقوبات وقيود التأشيرات الأمريكية.

في 1 أكتوبر/تشرين الأول، انتهى عقد المحكمة مع شركة التأمين "أكسا" (AXA) باتفاق الطرفين كما قالت المحكمة، دون ذكر السبب؛ وأفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن الشركة أشارت إلى مخاطر امتداد العقوبات الأمريكية إلى خارج الولايات المتحدة. فلا يمكن إذن ربط أي من ذلك بقرار 9 أكتوبر/تشرين الأول.

وقد حذر الصندوق الاستئماني للضحايا، وهو الجهة التي أنشئت بموجب نظام روما لتنفيذ أحكام جبر الضرر ومساعدة الضحايا، من مخاطر تهدد برامج جبر الضرر، لكن التحذير لا يعني أن أي برنامج قد توقف. والأرجح أن يأتي التعطيل من الشركات والمصارف التي تتعامل مع المحكمة.

فالترخيص يسمح بالمعاملة، لكنه لا يلزم أي مصرف أو مورد بتنفيذها. والشركات الخاضعة للقانون الأمريكي صارت مضطرة إلى مراجعة تعاملاتها مع المحكمة، وقد يمتنع بعضها حتى عن أعمال مسموح بها، تجنبا لأعباء التحقق من الالتزام بالقواعد وتكاليفه، أو لأنها لا تعرف ما سيحدث في أبريل/نيسان.

ورفض هذه العقوبة لا يعني الدفاع عن كل ما تفعله المحكمة. فهناك انتقادات جدية لأدائها، منها اتهامها بالانتقائية في اختيار قضاياها، وبالتقصير في احترام حق القضاء الوطني في أن ينظر في القضايا أولا (ما يعرف بمبدأ التكامل)، لكن معالجة هذه الانتقادات تكون عبر آليات نظام روما نفسه، لا عبر العقوبات.

والخلاصة التي تسمح بها الأدلة محدودة وحذرة: السيادة تفسر اعتراض واشنطن، أما الوسيلة التي اختارتها فوصفها الدقيق هو الإكراه. ولم يحسم بعد هل هذه الوسيلة مشروعة دوليا، أما أثرها الفعلي فسيتوقف على ما تفعله المصارف والموردون والدول الأعضاء ووزارة الخزانة الأمريكية قبل 7 أبريل/نيسان 2027.

فسلطة المحكمة في إصدار أحكامها لا تأتي من واشنطن، لكن حصولها على خدمات مالية وتجارية أساسية مرتبطة بالولايات المتحدة بات يحتاج إلى إذن أمريكي تستطيع واشنطن تغييره متى شاءت. هذا ما تغير في 9 أكتوبر/تشرين الأول.

ومع ذلك، فالأشهر الستة المقبلة ليست عدا تنازليا نحو نهاية محتومة، بل مهلة يمكن استثمارها. فإذا سارعت الدول الأعضاء إلى توفير بدائل مصرفية وتقنية وتأمينية لا يطالها القانون الأمريكي، والتزمت هولندا بتعهداتها في اتفاق المقر، وانتقلت العواصم التي اعترضت على العقوبة من البيانات إلى الأفعال، فقد تخرج المحكمة من هذه الأزمة أقوى مما كانت.

ففي دارفور ضحايا ينتظرون منذ سنوات طويلة أن يصلهم التعويض، وفي أوكرانيا عائلات تبحث عن أطفالها الذين رحلوا قسرا، وفي فلسطين وأفغانستان ضحايا لا يجدون محكمة أخرى يلجؤون إليها. هؤلاء لا يهمهم كثيرا الجدل حول التراخيص وحدود سلطة المحكمة، بقدر ما يهمهم أن تبقى أبواب المحكمة في لاهاي مفتوحة.

وإذا أحسنت الدول التي أنشأت المحكمة استخدام هذه المهلة، فلن يكون 7 أبريل/نيسان 2027 موعدا لإغلاق تلك الأبواب، بل اليوم الذي يتبين فيه أن العدالة الدولية أقوى من أن تعلق على ترخيص.

من مقالات

أحدث الأخبار