تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%
الأربعاء، 14 تشرين الأول 2026عمّان 24°غائم جزئيبورصة عمّان4,205.03▲ 0.58%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

اراء و تقارير · السطح

ما قصة الجثة التي بقيت 14 عاما في مشرحة تولوز؟

· 3 دقائق قراءة

113
ما قصة الجثة التي بقيت 14 عاما في مشرحة تولوز؟

عمان 1 - كيف يمكن لجثة إنسان أن تبقى 14 عاما في ثلاجة الموتى، من دون أن يطالب بها أحد أو تتحرك جهة مسؤولة لإنهاء رحلتها الأخيرة؟ سؤال صادم أعادته إلى الواجهة واقعة اكتشاف جثمان الفرنسي ميشيل مينار داخل مشرحة مستشفى في مدينة تولوز، بعدما ظل منسيا منذ وفاته عام 2012، وبين عزلة عاشها الرجل في حياته وثغرات إدارية محتملة أعقبت رحيله، تكشف القصة مأساة إنسانية تثير أسئلة عميقة عن المسؤولية والكرامة الإنسانية بعد الموت.

عاش على الهامش ورحل في صمت

كان ميشيل مينار يبلغ من العمر (58 عاما) عندما عُثر عليه متوفى في منزله يوم 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، بقرية كاستلنو دوزان لابارير، التابعة لإقليم جيرس جنوب غربي فرنسا. وكان يعيش وحيدا في منزل قديم داخل عقار منعزل، على بعد نحو 5 كيلومترات من مركز القرية، وسط كروم العنب والمساكن المتباعدة.

ووصفه سكان المنطقة بأنه رجل طويل ونحيف، أصلع جزئيا، يرتدي نظارات سميكة، قليل الكلام ومنطوٍ على نفسه، عمل لفترة قصيرة موظفا بلديا في عام 2011، وكان يتنقل بدراجته الهوائية، قبل أن يعيش في عزلة شبه تامة داخل مسكن متداعٍ.

لم يثر غيابه الانتباه إلا بعد أن لاحظ بعض الجيران أنهم لم يعودوا يرونه عند النافذة، وعندما تدخل رجال الإطفاء، وجدوا جثمانه داخل المنزل في حالة متقدمة من التحلل، مما يرجح أنه فارق الحياة قبل اكتشافه بأسابيع.

وكانت ظروف الوفاة غير واضحة في البداية، لذلك نُقل الجثمان إلى معهد الطب الشرعي بمستشفى رانغوي في تولوز، التي تبعد نحو 145 كيلومترا عن القرية، لإجراء التشريح، وانتهى الفحص إلى أن الوفاة طبيعية، في حين سمح الادعاء العام بتسليم الجثمان إلى الأسرة لدفنه.

من التشريح إلى النسيان

هنا بدأت الحلقة الأكثر غموضا في القضية، فبحسب رئيسة بلدية القرية الحالية، فيرجيني بوسيبيلّي بايري، تواصل المستشفى مع البلدية بعد انتهاء الفحوص، للاستفسار عن تولي مسؤولية الجثمان، بعدما لم تتقدم الأسرة للمطالبة به.

وتقول البلدية إن الرد آنذاك استند إلى معلومات تفيد بوجود أقارب للرجل، وأنه كان مطلقا، ولذلك لم يُدرج ضمن إجراءات دفن الأشخاص الذين لا يملكون من يتولى شؤونهم، وتضيف رئيسة البلدية أن التواصل انقطع بعد ذلك، وأن السلطات المحلية اعتقدت أن الجثمان سُلّم إلى أسرته.

لكن الجثمان لم يُدفن، ولم يظهر ما يثبت أن أحدا تسلمه، وظل في إحدى الغرف المبردة بالمشرحة 14 عاما، من دون أن تُستكمل إجراءات دفنه أو تُطرح تساؤلات جدية بشأن بقائه كل هذه المدة.

وتعليقا على ما حدث، تنقل صحيفة لوباريزيان الفرنسية عن السيد لويس لو فوير دي كوستيل، وهو محامٍ متخصص في القانون الجنائزي، قوله إن تمديد الحفظ قد يكون ممكنا في بعض الحالات لمدة أقصاها 21 يوما، لكن 14 عاما تتجاوز ذلك بكثير.

ولم تُكتشف الحقيقة إلا في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026، خلال عمليات تفتيش مرتبطة بتحقيق أوسع في اختلالات داخل مصلحة حفظ الجثامين بالمستشفى.

وكان التحقيق قد انطلق عقب العثور على جنينين وجثتي طفلين حديثي الولادة داخل حاوية للنفايات الطبية، مما أثار شبهات بشأن سوء التعامل مع الجثامين المحفوظة لأغراض قضائية.

أسئلة بلا إجابات

أعاد اكتشاف جثمان ميشيل فتح ملف المسؤوليات: لماذا لم تلاحظ المشرحة بقاءه طوال هذه السنوات؟ ومن كان يفترض به متابعة إجراءات تسليمه أو دفنه؟ ولماذا لم تُرسل تذكيرات إلى البلدية أو تُتخذ خطوات إضافية للبحث عن أسرته؟

ولا تزال التحقيقات جارية لتحديد ما حدث بعد انتهاء التشريح، في حين امتنع المستشفى الجامعي في تولوز عن التعليق، ويشير متخصصون في القانون الجنائزي إلى أن الإجراءات القانونية المتعلقة بالبحث عن أقارب المتوفين قد تكون محدودة، مما يطرح تساؤلات بشأن آليات التنسيق بين المستشفيات والبلديات والسلطات القضائية.

وفي قرية ميشيل، لا ينشغل السكان اليوم بتبادل الاتهامات بقدر ما يطالبون بأن ينال الرجل حقه الأخير: قبر يليق بإنسان عاش وحيدا ورحل من دون وداع، وتعهدت رئيسة البلدية بالتكفل بمراسم دفنه إذا لم يُعثر على أفراد أسرته.

قد تكشف التحقيقات الجهة التي أخفقت في أداء واجبها، لكن 14 عاما من النسيان تترك وراءها سؤالا أكثر إيلاما: كيف يمكن لإنسان أن يغيب عن العالم مرتين، مرة حين يموت وحيدا، ومرة حين يُنسى حتى بعد موته؟

من اراء و تقارير

أحدث الأخبار