تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

مقالات · الوسط

من يقف وراء تأجيل الانتخابات الفلسطينية ولصالح من؟

بقلم: عريب الرنتاوي

· 8 دقائق قراءة

113
من يقف وراء تأجيل الانتخابات الفلسطينية ولصالح من؟

عمان 1 - عريب الرنتاوي

كاتب ومحلل سياسي أردني.

لم تأخذ غالبية الفلسطينيين (نصفهم إلى ثلثيهم وفقا لاستطلاعات الرأي)، المرسوم الرئاسي الأول، القاضي بإجراء انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، على محمل الجد، مرجحين إرجاءها أو إلغاءها قبل أن تفتح مراكز الاقتراع أبوابها، بل إن كثيرا منهم، عرضوا لشريط طويل من الحجج والذرائع التي يمكن استحضارها لتبرير قرار الإرجاء أو الإلغاء، وهي ذاتها التي تضمنها المرسوم الرئاسي الأخير، بإرجائها حتى 11 سبتمبر/أيلول 2027، وفي مقدمتها الوضع في القدس وغزة، والقيود الإسرائيلية الثقيلة في الضفة الغربية، والحاجة لمزيد من الحوارات الوطنية، إلى غير ذلك من أعذار وذرائع.

أما النخب الفلسطينية، من فصائلية ومدنية وأكاديمية، فقد كانت تقرأ من "كتاب الانتخابات المفتوح"، أن الإرجاء، وليس الإجراء، هو السيناريو الأكثر ترجيحا، وأن "ترويكا الحكم" في السلطة، لن تمضي في انتخابات إلا إذا ضمنت نتائجها مسبقا، وأنها انتخابات تندرج في سياق "إعادة هندسة" النظام الفلسطيني، ليصبح أكثر تواؤما وتكيفا مع مخرجات حل إسرائيلي-أمريكي للقضية الفلسطينية، بدل أن تستبطن هدف ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وكسر الهيمنة والتفرد، وفتح أبواب المشاركة، وإنتاج طبقة سياسية جديدة، وإعطاء زخم إضافي للمشروع الوطني، وصياغة برنامج إجماع وطني لمواجهة تحديات الإبادة والتطهير والتهجير والعربدة الإسرائيلية.

وكلما اتضحت "رزنامة" الانتخابات باستحقاقاتها المُجَدوَلة التي كشفت عنها لجنتها المركزية، خيم شبح التأجيل على المشهد الفلسطيني، واحتل سيناريو الإرجاء مساحات أوسع من التسريبات والمداولات التي تهيمن على الساحة الفلسطينية، لذا جاء مرسوم إرجاء الانتخابات من باب "تحصيل حاصل"، ولم يكن له وقع المفاجأة على أحد.

وتواترت عن "الترويكا" والأوساط المقربة منها، معلومات وتسريبات عن "مخارج" يجري بحثها لتأجيل الانتخابات، وسط انقسامات حول كل واحد منها، في أوساط قيادة حزب السلطة، حركة فتح حول الأنسب، فمنهم من دعا لرمي الكرة في ملعب "لجنة الانتخابات المركزية"، كأن تبادر بذاتها إلى الإعلان عن عدم جاهزيتها لإنفاذ الاستحقاق، وهو ما رفضته اللجنة ورئيسها رامي الحمد الله، إلى مؤيد لإرجاء قصير معلل بالأسباب الراهنة الضاغطة، أو مؤيد لفكرة التأجيل المفتوح، دون موعد بديل، وليكن ما يكون.

لكن الرأي استقر في نهاية المطاف، على رمي الكرة في ملعب آخر، ملعب الفصائل وحواراتها الوطنية، واتخذ أصحاب هذا الرأي من مبادرة كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد أطلقتها قبل عدة أسابيع "طوق نجاة"، وهي مبادرة دعت لإرجاء الاستحقاق الانتخابي، لفترة تلتئم خلالها موائد الحوار الوطني، لتبحث في الانتخابات وإعادة بناء النظام الفلسطيني (منظمة التحرير أساسا)، وصوغ برنامج وطني لمواجهة التحديات الضاغطة التي تواجه شعب فلسطين وقضيته، وهكذا تحولت مبادرة "الشعبية" إلى سلم للهبوط عن شجرة المرسوم الرئاسي.

وتم تكليف وفد رفيع من فتح، قاد جولة حوار، انتهت بتوافق عام على إرجاء الاستحقاق، قبل أن يصدر مرسوم رئاسي بهذا الشأن، علما بأن السلطة كانت أبلغت الجهات الممولة للانتخابات من أوروبيين وكنديين، بقرار الإرجاء حتى قبل صدور المرسوم، وقبل اجتماعات "مركزية فتح" و"تنفيذية المنظمة".

لماذا التأجيل؟

ثمة ما يشبه الإجماع على أن كل ما أورده المرسوم الرئاسي الجديد من "أسباب موجبة" لتأجيل الانتخابات عشرة أشهر إضافية، ليس من بينها سبب واحد، جديد أو ناشئ، فحال القدس على هذا المنوال منذ سنوات، وكانت ذريعة لتعطيل الانتخابات قبل خمس سنوات (عام 2021)، كما أن غزة تمزقها آلة الإبادة والتطهير والتدمير منذ ثلاث سنوات (دع عنك ما سبقها)، فيما الضفة الغربية تعاني الاستباحة ونهم الاستيطان وعربدة المستوطنين، منذ سنوات، والجدران والبوابات والحواجز العسكرية تمزقها وتقطّع أوصالها.. فما الجديد الناشئ الذي لم يكن قائما من قبل، حين أصدر الرئيس مرسومه الأول، ليظهر في مرسومه الثاني؟!

ثم إن مرسوم إجراء الانتخابات لم يصدر عن أي مؤسسة فلسطينية، منوط بها أمر كهذا، لقد صدر في "ليل بهيم" وأخذ المجتمع السياسي الفلسطيني على حين غرة، كما أنه لم يكن ثمرة حوار وطني وتوافقات واسعة على إجرائها، فلماذا يُشار في المرسوم الثاني إلى الحاجة للحوار والتوافق، ولماذا يصدر المرسوم الجديد بعد قرارات وتوصيات تصدر عن اللجنتين المذكورتين؟.. يبدو أن إجراء الانتخابات أمر منوط بـ"الترويكا"، أما القرار بإرجائها، فيستلزم ترتيبات شكلية كتلك التي بدأت في القاهرة ولم تنته في رام الله، لكأن المطلوب توزيع دم الانتخابات والمجلس التشريعي على "القبائل/الفصائل" الفلسطينية.

التأجيل ببساطة، وبإجماع المراقبين، يعود إلى سبب واحد: توقع خسارتها، وفقدان غشاء "الشرعية" الشفيف، الذي ما زالت القيادة والمؤسسات تتمتع به، وانتقاله إلى معارضي السلطة والرئاسة ومجادليها، من داخل فتح بخاصة، ومن عموم القوى المنضوية في المنظمة، أو تلك التي ما زالت خارجها.

لم يخيم شبح الخسارة على السلطة وفتح وقيادتهما المتنفذة فحسب، بل لعله أربك حسابات بعض الأطراف المعنية بالملف الفلسطيني، فبعضهم كان متحمسا لفكرة الانتخابات، على أمل أن تندرج في سياق مشروع "إصلاحي" ينتهي بتكييف السلطة وإعادة إنتاجها وإسباغ رداء من الشرعية على مؤسساتها، لتمكينها من الاضطلاع بمهام باسم الشعب الفلسطيني ونيابة عنه، رغم ما قد يثيره هذا المسار من تساؤلات بشأن توافقه مع المصالح الفلسطينية والمشروع الوطني التحرري.

أما أن تأتي الانتخابات بمن يريده الشعب ويختاره لقيادة المرحلة الإستراتيجية الجديدة التي دلفها بعد "الطوفان وتداعياته"، وأن تتسنم قيادتَه رموز وشخصيات وقوى "غير مرغوبة"، فذلكم خيار لا يريده أحد، حتى أكثر الأطراف حماسة للانتخابات تحت عنوان "الإصلاح"، ولذلك رأينا أن تسويق قرار الإرجاء، لم يكن بالمهمة العسيرة على أركان السلطة، لا سيما بعد أن تأكد لهؤلاء (بطرقهم ووسائطهم) أن الخسارة متحققة، وأن الفشل آت لا ريب فيه.

مرد ذلك يعود إلى عاملين اثنين:

أولهما؛ فشل قيادة فتح في توحيد صفوف الحركة، وإنجاز مصالحة فتحاوية-فتحاوية، إذ بدا لـ"المقاطعة" أن قوائم فتح في الانتخابات التشريعية، سيضرب بعضها بعضا، وأن قائمة تضم مروان البرغوثي ومحمد دحلان وناصر القدوة وقدورة فارس، كفيلة بالتغلب على قائمة فتح الرسمية، لا سيما أن تداعيات مؤتمر فتح الثامن وارتداداته، تركت خلفها "جيشا" من الغاضبين والناقمين.

أضف إلى ذلك ما ترتب على تسريع "مسار التوريث" من هزات ارتدادية، ضربت في صميم بنية فتح، ووضعت قيادات تاريخية فيها، على منصات "الانتظار والاحتياط".

وثانيهما؛ أن رهانات من أصدر المرسوم الأول وسوّغه، انعقدت على إحجام حماس والجهاد والشعبية وآخرين من دونهم، عن المشاركة في الانتخابات، وعندما أظهرت هذه القوى مجتمعة ومتفرقة، استعدادها للمشاركة والمنافسة، وشرعت في تشكيل ائتلافاتها وقوائمها، ونجحت في جمع من لم يكن ممكنا جمعهم، في قوائم محتملة (دحلان وحماس على سبيل المثال)، تفاقم القلق وتصاعدت المخاوف من مغبة "انقلاب السحر على الساحر"، فالانتخابات التي أريد بها في الأصل، إقصاء جميع هؤلاء، أو معظمهم، قد تمنحهم الشرعية وتحجبها عمّن شرع بها ولوّح بسيفها وأصدر مراسيمها.

وحين لاحت في أفق الاتصالات والمشاورات التمهيدية التي أجرتها "الترويكا" ومبعوثون عنها، مع حماس والفصائل، بوادر توافق على الإرجاء، وإن لأسباب ودوافع مختلفة، بدا أن ثمة مخرجا ممكنا من المأزق الذي أوقعت السلطة نفسها فيه.. وأصبحت حوارات القاهرة "الحبل" الذي يتعلق به من يرغب بالهبوط عن شجرة المراسيم الرئاسية، بقليل مما يحفظ ماء الوجه.

والحقيقة أن الانتخابات مرسوما وتوقيتا، داهمت حماس وفصائل المقاومة على غير استعداد، فالعدوان على غزة لم يضع أوزاره بعد، وحملات التصفية والمطاردة لقادة هذه القوى وكوادرها، جارية على قدم وساق، وليس ثمة من ضمانة من أي نوع، بأن مرشحين من صفوفها أو محسوبين عليها، لن يواجهوا خطر الاعتقال والاغتيال على أيدي الإسرائيليين المتربصين، فكان أن رحبت معظم هذه القوى، بنتائج حوارات القاهرة والمرسوم الرئاسي الجديد الذي أعقبها.

كيف يملأ فراغ الأشهر العشرة المقبلة؟

على أن حماس والفصائل الحليفة، وهي تخوض حوارات القاهرة، ربما تكون قد وقعت في المحظور، فليس ثمة ما يشي بأن حوارات الأيام المقبلة، ستخرج في شكلها ومضمونها، عن "فلكلور الحوارات الوطنية" المتنقلة بين عواصم العالم، أو ما أسمي تهكما بـ"سياحة الحوارات".

وليس ثمة ما يشي بأن قدرا من المشاركة والتشاركية قد يطرأ على أداء السلطة خلال الفترة الفاصلة بين استحقاق مغدور وآخر منتظر، فلا إطار قياديا موحدا للمنظمة قد جرى تفعيله وإحياؤه، ولا التزام مشفوعا بضمانات بأن تكون "نتائج الحوار ملزمة" للجميع، وبالذات للقيادة المتنفذة في رام الله.

أما الذين يبدون قلقا من عودة الرئاسة إلى سياسة كسب الوقت، حيث تتحول مهلة الأشهر العشرة إلى فاصل زمني ومساحة يملؤها الفراغ، فلديهم ما يبرر هذا القلق.

كان يتعين على حماس والفصائل، على الأقل، أن تشترط لقبول التمديد والتأجيل، تفعيل الإطار القيادي الموحد لمنظمة التحرير، فإن تعذر الأخذ بهذا المطلب، فلتذهب السلطة وحدها، من دون غطاء "الإجماع الوطني" إلى قرار التأجيل، ولتتحمل القبيلة المسؤولة عن المراسيم، وزرها وحدها أمام الشعب والتاريخ.

وكان يتعين قبل التصديق على الإرجاء، وضع قواعد حاكمة للحوار، من حيث جداوله الزمنية وأجندته، وهوية المشاركين فيه، دع عنك ملامح البرنامج الذي سيصدر عنه، والتزام الأطراف القطعي بمخرجاته.

وفي هذا السياق، يجدر التشديد على أن الحوار الوطني لكي يكون مثمرا، عليه أن يضم الجميع من دون إقصاء أو استثناء أحد، وأن تنضم إلى الفصائل وقادتها، رموز وشخصيات تمثل الداخل والخارج، وأن تتكرس قاعدة أن الشرعية مصدرها الشعب وتعود إليه، وأن النظام الفلسطيني الذي ملّ التجديد والتمديد، لن يقبل بالتوريث، وأن هدف الحوار والانتخابات إن جرت في موعدها، ليس استبدال أشخاص جدد بشخوص تجاوزهم الزمن، بل صياغة المشروع والبرنامج والأدوات، التي ترفع كفاءة الشعب وقواه الحية في مواجهة تحديات المرحلة الراهنة والمقبلة.

ولأننا ندرك أن ليس هذا ما يريده من جنحوا لمطلب الحوار واستعدوا لاستئنافه بعد طول استنكاف، فإننا ندعو القوى الحيّة من الشعب الفلسطيني، إلى السير على خطين متوازيين، حتى لا تأتي بعد عشرة أشهر صفر اليدين، فتكون أمام واحد من خيارين، لا ثالث لهما: إرجاء متكرر للاستحقاق الانتخابي، وجعبة القوم مليئة بالأعذار والذرائع التي تسمى زورا "أسبابا موجبة"، أو مواجهة الاستحقاق فرادى من دون إعداد العدة الكافية، وبعد أن يكون الطرف المهيمن، قد أنجز "فروضه المنزلية" ورتب أوراقه، لضمان ديمومته و"شرعيته".

ومن أجل ألا تكون الأشهر العشرة المقبلة، قفزة في الفراغ وهروب إلى الأمام، فإن جهود تشكيل أوسع ائتلاف وطني وشعبي من القوى القائمة حاليا، يجب أن تظل سارية على قدم وساق، وأن يجري التأسيس لها منذ الآن، وليس عشية الاستحقاق القادم، وعلى عجل.

وبموازاة ذلك، تشتد الحاجة لبلورة تيار وطني ديمقراطي مقاوم، والمقاومة هنا على اتساع مفهومها وتعدد أدواتها، يجمع عشرات آلاف النشطاء والمبادرين في مختلف أماكن الانتشار والشتات الفلسطيني، فالحاجة ماسة، لتجديد الحركة الوطنية وتشبيبها، وإعادة بناء وتعريف المشروع الوطني الفلسطيني، وصوغ البرامج العامة والقطاعية للمرحلة المقبلة، وبناء توافقات حول أدوات الكفاح وأولويات الشعب الفلسطيني، بالذات في المحتل من الوطن، والوطن كله تحت احتلال.

من مقالات

أحدث الأخبار