عمان 1 - تتزايد المخاوف من اتساع التداعيات المناخية والاقتصادية في آسيا، مع اشتداد ظاهرة "النينيو" وما تسببه من جفاف وارتفاع في درجات الحرارة وتراجع في الموارد المائية، بالتزامن مع اضطراب إمدادات الوقود والأسمدة المرتبط بالحرب في إيران.
وفي تقريرين منفصلين، سلطت مجلة ذي إيكونوميست وصحيفة فايننشال تايمز الضوء على الأخطار المتصاعدة التي تواجه دول المنطقة، من تهديد الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء إلى حرائق الغابات وتلوث الهواء وتدهور النظم البيئية، محذرتين من أن ضعف الاستعداد والتمويل قد يحوّلان الصدمات المناخية إلى أزمة إنسانية واقتصادية واسعة النطاق.
وركزت ذي إيكونوميست -في مقالها- على الأخطار التي تواجه الأمن الغذائي في جنوب آسيا وجنوب شرقها، مشيرة إلى تراجع الأمطار الموسمية في الهند بنحو 13% عن المعدلات المعتادة، وتفاقم الجفاف وحرائق الغابات في إندونيسيا، فضلا عن اتساع المناطق المتضررة في الفلبين.
وحذّرت المجلة من احتمال تراجع إنتاج الأرز في تايلند بنسبة 18% بحلول منتصف العام المقبل، في وقت تعاني فيه بنغلاديش محدودية احتياطياتها الغذائية، كما أشارت إلى ارتفاع تكاليف الأسمدة، وتزايد التضخم الغذائي، وضعف قدرة بعض الحكومات على حماية المستهلكين والمزارعين بسبب ارتفاع الديون.
مطالب بمحاسبة الشركات المتسببة
وتتفاقم هذه الأخطار بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، فبحسب ذي إيكونوميست، يتوقع البنك الدولي أن يزيد متوسط أسعار الأسمدة خلال عام 2026 بنسبة 38% مقارنة بالعام السابق، في ظل الاضطرابات المرتبطة بالحرب في إيران.
وقد انعكست هذه الضغوط على أسعار الغذاء، إذ ارتفع التضخم السنوي للمواد الغذائية في الهند من 2.1% في يناير/كانون الثاني إلى 6% في أغسطس/آب، وبلغ 7% في سريلانكا خلال سبتمبر/أيلول.
ويحذّر المقال من أن اجتماع انخفاض الإنتاج وارتفاع التكاليف قد يفاقم انعدام الأمن الغذائي، لا سيما في البلدان التي تفتقر إلى الاحتياطيات الكافية أو إلى الموارد المالية اللازمة لحماية الأسر الأكثر هشاشة.
من جهتها، تناولت فايننشال تايمز التداعيات الميدانية لحرائق الغابات في إندونيسيا، ولا سيما في جزيرة بورنيو، حيث احترق نحو 900 ألف هكتار من الأراضي بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب، وفق بيانات منصة "نوسانتارا أطلس".
وأدى الجفاف وتطهير الأراضي بالحرق إلى انتشار النيران في الغابات والأراضي الغنية بالكربون، وامتداد الضباب الدخاني السام إلى مناطق واسعة من جنوب شرق آسيا.
تداعيات الأزمة تتجاوز المناخ والبيئة، لتشمل الطاقة والصحة والاقتصاد والأمن الغذائي، لأن الجفاف قد يقلص إنتاج الطاقة الكهرومائية في وقت يرتفع فيه طلب الكهرباء
وأبرز التقرير الأضرار الصحية والبيئية للحرائق، التي عرّضت ملايين الأشخاص لمستويات خطرة من تلوث الهواء، وتسببت في مشكلات تنفسية وإغلاق مدارس وتعطيل رحلات جوية.
كما أثارت مخاوف بشأن تدمير موائل حيوانات مهددة بالانقراض، من بينها إنسان الغاب، فضلا عن احتمال تراجع إنتاج زيت النخيل، الذي يمثل مصدرا مهما للإيرادات الإندونيسية.
وتتصاعد في هذا السياق المطالب بمحاسبة الشركات المتهمة بالتسبب في الحرائق أو التقصير في منعها، وتعزيز الرقابة البيئية، وبالفعل أعلنت السلطات الإندونيسية وقف أنشطة 57 شركة قالت إنها أسهمت في اندلاع الحرائق، وحددت منظمة "والهي" البيئية أكثر من 300 كيان تجاري اندلعت الحرائق داخل مناطق الامتياز التابعة لها هذا العام.
كما امتدت الدعوات إلى سنغافورة وماليزيا لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة بحق الشركات العاملة في إندونيسيا، التي تتخذ بعض مجموعاتها الكبرى مقار لها في البلدين.
ويتفق المقالان على أن تداعيات الأزمة تتجاوز المناخ والبيئة، لتشمل الطاقة والصحة والاقتصاد والأمن الغذائي، لأن الجفاف قد يقلص إنتاج الطاقة الكهرومائية في وقت يرتفع فيه طلب الكهرباء، ويؤدي تراجع المحاصيل وارتفاع تكاليف الإنتاج إلى زيادة أسعار الغذاء وتفاقم الفقر.
أهمية التحرك الاستباقي
وتشير تقديرات نقلتها ذي إيكونوميست عن الأمم المتحدة إلى أن انتقال صدمة أسعار الغذاء والطاقة إلى الأسر قد يدفع 132 مليون شخص إضافي إلى الفقر عالميا، بينهم 91 مليونا في آسيا.
ويؤكد التقريران أهمية التحرك الاستباقي بدلا من انتظار تفاقم الأزمات، من خلال تعزيز المخزونات الغذائية، ودعم المزارعين بالبذور المقاومة للجفاف، وتخصيص تمويل للطوارئ، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتشديد الرقابة على الأنشطة المسببة لحرائق الغابات.
غير أن نقص التمويل وتزايد أعباء الديون يظلان من أبرز العقبات أمام تنفيذ هذه التدابير، فقد طلب برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة، في يونيو/حزيران، 202 مليون دولار لحماية 8.8 ملايين شخص في 22 دولة، بينها أفغانستان وباكستان والفلبين، ولم يجمع سوى 40 مليون دولار وفق المقال، مما يثير مخاوف من تراجع قدرة البرامج الوقائية على الوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر.
ويخلص المقالان إلى أن قدرة الدول الآسيوية على احتواء تداعيات "النينيو" لن تتوقف على شدة الظواهر المناخية وحدها، بل ستعتمد أيضا على سرعة استجابة الحكومات، وفعالية السياسات الوقائية، وتوافر الموارد اللازمة لحماية السكان والقطاعات الأكثر تضررا، لأن التنبؤ بالأخطار لم يعد كافيا ما لم يتحول إلى إجراءات عملية تحدّ من الخسائر قبل اتساعها.





