عمان 1 - صالح المطيري
إعلامي كويتي.
تكشف التطورات الأخيرة في الحرب الإيرانية عن تحول في طبيعة الضغط على دول المنطقة، مع تصاعد استهداف المنشآت المدنية، وفي مقدمتها المطارات السعودية. ويثير هذا المسار تساؤلات حول ما إذا كانت إيران تسعى، عبر حلفائها، إلى توسيع نطاق المواجهة ونقلها من الضغط على المصالح الاقتصادية إلى تهديد حركة الطيران، بما يوصل رسالة مفادها أن الدول التي تصمد أمام أحد أشكال الضغط قد تواجه أشكالا أخرى تمس أمنها واستقرارها.
لفهم هذه التطورات، ينبغي التوقف عند العامل النفسي الذي يحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. فالأزمة بين الطرفين تجاوزت الخلافات السياسية والعسكرية إلى انعدام عميق للثقة، يجعل كل طرف يشكك في نيات الآخر، ويتعامل مع أي تنازل محتمل باعتباره فرصة قد يستثمرها خصمه لرفع سقف مطالبه. وقد عمقت الحرب هذه الفجوة، وأصبح التفاوض نفسه محكوما بالخوف من أن يتحول التراجع خطوة إلى خسارة إستراتيجية.
تقول إيران إنها لا تثق بالولايات المتحدة، فيما تتعامل واشنطن بحذر مع أي التزامات إيرانية محتملة. وفي ظل هذه المعادلة، يصعب بناء اتفاق مستقر ما لم تتوافر ضمانات واضحة لتنفيذه. ويؤدي هذا الحاجز النفسي إلى إطالة المواجهة، لأن كل طرف يخشى أن يكون أول من يقدم تنازلا، فيفسره الآخر علامة ضعف.
ويمتد أثر هذه الأزمة إلى المنطقة بأكملها، التي تتحمل كلفة أمنية ونفسية متزايدة. فحين تصبح المطارات والمنشآت المدنية أهدافا محتملة، تنتقل الحرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويصبح أمن المسافرين والمقيمين ومصالح الدول الاقتصادية جزءا من تداعياتها. وقد تحتاج المنطقة إلى سنوات لتجاوز آثار هذه المواجهة، خصوصا في ظل تعرض مدنيين من جنسيات مختلفة لمخاطر لم تكن ضمن حساباتهم.
ويكتسب استهداف المطارات السعودية أهمية خاصة، نظرا لما تمثله هذه المنشآت من قيمة إستراتيجية واقتصادية. فالمطار نقطة اتصال بين الدولة والعالم، وأي تهديد له قد ينعكس على حركة المسافرين والتجارة والسياحة والأعمال، كما قد يدفع شركات الطيران والتأمين إلى إعادة تقييم المخاطر. ومن ثم، فإن أثر الاستهداف يتجاوز الأضرار المادية المباشرة إلى محاولة إرباك الحياة العامة ورفع كلفة الاستقرار.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند النظر إلى التهديدات الإيرانية السابقة المتعلقة بمطارات المنطقة. فقد نقلت تقارير في سبتمبر/أيلول الماضي تصريحات لمسؤول إيراني ربط فيها بين القيود المفروضة على الطيران الإيراني واحتمال تعرض مطارات إقليمية لإجراءات مقابلة، قبل أن يصدر نفي إيراني لنية اللجوء إلى رد عسكري على تلك القيود.
وتستدعي هذه التصريحات قراءة متأنية في ضوء الهجمات اللاحقة، مع التأكيد أن التشابه بين التهديدات والتطورات الميدانية لا يكفي وحده لإثبات وجود قرار إيراني مباشر وراء كل هجوم.
ومع ذلك، فإن تتابع هذه المؤشرات يطرح فرضية تستحق الدراسة، وهي أن استهداف المطارات قد يراد منه فرض شكل من أشكال الحصار الجوي غير المعلن على المملكة العربية السعودية، أو خلق بيئة تجعل حركة الطيران أكثر كلفة ومخاطرة. فبعد التهديدات التي طالت طرق التجارة، قد يصبح الطيران مجالا إضافيا للضغط، بما يوحي بأن أدوات المواجهة قابلة للانتقال من قطاع إلى آخر إذا لم تحقق الوسائل السابقة أهدافها.
وتكمن خطورة هذا المسار في أن استهداف المطارات لا يهدد الدولة المعنية وحدها، وإنما يثير مخاوف بقية دول الخليج من اتساع دائرة الاستهداف. كما أن تكرار الهجمات قد يفرض إجراءات أمنية مشددة، ويؤثر في حركة السفر والاستثمار، ويضع المنشآت المدنية في صلب الحسابات العسكرية. ولذلك تحتاج دول الخليج إلى تنسيق دفاعي أكبر لحماية أجوائها ومرافقها الحيوية، مع الحرص على تجنب ردود متسرعة توسع دائرة المواجهة.
وتبرز في هذا السياق أهمية التطورات في اليمن والقرن الأفريقي. فقد تناولت تقارير صحفية خلال سبتمبر/أيلول الماضي مؤشرات على تنامي التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، بما يشمل تبادل الأسلحة والتدريب والمعلومات، وهو تطور قد يرفع مستوى التهديدات في خليج عدن والبحر الأحمر. وتستدعي هذه التقارير متابعة أمنية دقيقة، خصوصا أن تشابك الجماعات المسلحة عبر الحدود يمنحها فرصا أوسع للتحرك ويعقّد جهود احتواء المخاطر.
لكن وجود تعاون بين هذه الجماعات لا يثبت وحده أن إيران تدير جميع تحركاتها بصورة مباشرة. فالتقدير السياسي الدقيق يقتضي التمييز بين المؤشرات الأمنية المثبتة والاستنتاجات المتعلقة بالجهة التي تقف وراء كل تحرك. ومع ذلك، فإن اتساع شبكة التهديدات المحتملة يفرض على دول الخليج تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، ومراقبة التطورات في القرن الأفريقي، لما قد يترتب عليها من آثار على أمن المنطقة.
ومن هنا تبرز تساؤلات حول المبادرات الإيرانية المعلنة بشأن تسوية الأزمة اليمنية. فإذا كانت طهران تريد أداء دور الوسيط أو المساهم في الحل، فإن جدية هذا الدور تتطلب موقفا واضحا من الهجمات التي تطال السعودية والمنشآت المدنية، وخطوات عملية تساعد على خفض التصعيد.
أما طرح المبادرات السياسية بالتزامن مع استمرار التهديدات، فيثير أسئلة حول مدى استعداد إيران للفصل بين دورها الدبلوماسي وعلاقاتها بالقوى المسلحة التي تؤثر في مسار الأزمة اليمنية.
وتتصل هذه المسألة بمشكلة الثقة بين إيران وجيرانها. فالأزمة لا تقتصر على العلاقة مع واشنطن، وإنما تشمل مخاوف خليجية من أن تتحول التهدئة إلى فترة مؤقتة يعاد خلالها ترتيب أدوات الضغط استعدادا لجولة جديدة. ولذلك فإن بناء تفاهم مستقر يحتاج إلى التزامات واضحة تحترم سيادة الدول، وتمنع استهداف المنشآت المدنية، وتضع حدودا لاستخدام الجماعات المسلحة في الصراعات الإقليمية.
وعلى المستوى الدولي، تكشف التطورات أن الحرب تفتح المجال أمام إعادة ترتيب المصالح بين القوى الكبرى. فقد شهدت الأيام الأخيرة اتصالات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالتزامن مع تحركات أمريكية تتعلق بتخفيف بعض القيود على صادرات الوقود الروسي. وتوضح هذه التطورات كيف يمكن لضغوط الطاقة أن تدفع واشنطن إلى مراجعة بعض إجراءاتها الاقتصادية، بما يوفر لموسكو منفذا إضافيا لتصدير منتجاتها.
ولا تكفي هذه الوقائع لإثبات أن تخفيف القيود كان ثمنا مباشرا لتدخل روسي في الحرب الإيرانية، أو أنه جزء مؤكد من صفقة لإنهائها. لكنها تقدم مثالا على أن إدارة الأزمات الدولية ترتبط بحسابات المصالح المتبادلة، وأن القوى الكبرى قد تعيد ترتيب مواقفها عندما تتغير كلفة استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية.
وينطبق الأمر نفسه على الصين، التي تمتلك مصالح تجارية واسعة في المنطقة وقدرة على التأثير في بعض مسارات التفاوض. وقد تشمل أي تفاهمات معها ملفات الرسوم والتجارة والعلاقات الاقتصادية، لكن تحديد طبيعة التنازلات المحتملة يحتاج إلى معلومات موثقة عن المفاوضات الفعلية. والمهم هنا أن إنهاء الحرب قد يتطلب حوافز سياسية واقتصادية تدفع القوى الدولية إلى استخدام نفوذها بصورة أكثر فاعلية، مع ضمان ألا تأتي هذه التفاهمات على حساب أمن دول الخليج ومصالحها.
وهنا تتضح فكرة حرب الأثمان، حيث يحاول كل طرف رفع كلفة استمرار المواجهة على خصمه، أملا في دفعه إلى التنازل. غير أن هذه الإستراتيجية قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة عندما يعتقد الطرف المستهدف أن التراجع سيهدد مكانته أو يضعف موقعه التفاوضي. وعندها يتحول الضغط إلى دافع للتصعيد، وتتسع دائرة الأضرار التي تتحملها دول لم تختر الانخراط في الحرب.
إن إنهاء المواجهة يتطلب أكثر من اتفاق لوقف إطلاق النار. فالمطلوب ترتيبات تضمن حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، وتمنع توسيع الصراع عبر الجماعات المسلحة، وتوفر ضمانات قابلة للتحقق لتنفيذ الالتزامات. كما ينبغي أن تتضمن أي تسوية دورا واضحا لدول الخليج، باعتبارها الأطراف الأكثر تعرضا لتداعيات التصعيد، لا أن تتحول مصالحها إلى أوراق تفاوض بين القوى الكبرى.
وتبقى المعضلة الأساسية في الحاجز النفسي الذي يحكم العلاقة بين واشنطن وطهران، ثم يمتد أثره إلى المنطقة كلها. فالثقة لا يمكن استعادتها بالتصريحات وحدها، وإنما تحتاج إلى خطوات عملية تغير حسابات الأطراف وتحد من مخاوفها.
وإذا أرادت إيران إثبات جدية مبادراتها السياسية، فعليها أن تقدم مؤشرات واضحة على خفض التهديدات المحيطة بجيرانها، فيما تحتاج الولايات المتحدة إلى تحويل تفوقها العسكري إلى مسار سياسي قابل للاستمرار.
وفي النهاية، فإن نجاح أي تسوية لن يقاس بما يعلنه كل طرف عن انتصاره، وإنما بوقف استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وحماية أمن دول المنطقة، ومنع تكرار المواجهة. فحين تتحول المطارات إلى أهداف، يصبح الخطر متصلا بأمن المجتمعات وحياتها اليومية، وتصبح مسؤولية السياسة إيجاد مخرج يضع حدا لتوسع الحرب، ويعيد بناء الحد الأدنى من الثقة الضرورية لاستقرار المنطقة.





