عمان 1 - قالت مجلة نيوزويك الأمريكية إن التجربة الليبية وما خلفته من فوضى أمنية وسياسية لا تزال تلقي بظلالها على الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، في وقت يواجه فيه الرئيس دونالد ترمب تحديات متزايدة بسبب الحرب على إيران.
وأوضحت المجلة -في مقال للكاتب توم أوكونور- أن شبح الحرب الليبية يأتي وسط مخاوف أمريكية من أن يؤدي إسقاط النظام الإيراني دون تصور واضح لمرحلة ما بعد الحرب إلى نتائج أكثر خطورة من تلك التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
وتستحضر المجلة التدخل العسكري الغربي في ليبيا بوصفه نموذجا للتحذير من محدودية القوة الجوية في تحقيق أهداف سياسية وإستراتيجية مستدامة، لأن الإطاحة بالقذافي -بدعم من حلف شمال الأطلسي (الناتو)- لم تؤد إلى بناء دولة مستقرة.
بل إن تلك الإطاحة أعقبتها -حسب المقال- انقسامات داخلية وصراعات مسلحة وتدهور أمني، إلى جانب تداعيات إقليمية ودولية شملت تصاعد الهجرة نحو أوروبا، واتساع نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي، وتنامي النفوذ الروسي في أجزاء من القارة.
تحذير من تكرار السيناريو الليبي
ويربط المقال بين هذه التداعيات وصعود ترمب سياسيا، مشيرا إلى أن الفوضى الليبية وأزمة الهجرة والهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي عام 2012، حيث قُتل السفير كريستوفر ستيفنز وآخرون، أسهمت في تأجيج الانتقادات الموجهة إلى إدارة باراك أوباما، واستثمرها ترمب في حملته الانتخابية ضد هيلاري كلينتون، ليفوز بالرئاسة عام 2016.
وفي هذا السياق، يستشهد الكاتب بمحللين يرون أن تداعيات التدخل في ليبيا أسهمت في تغذية النزعات الشعبوية وتعزيز التيارات المناهضة للمؤسسة السياسية التقليدية في الغرب.
وفي المقابل، يُبرز المقال مفارقة في الموقف الأمريكي الحالي، فترمب الذي انتقد سابقا الإطاحة بالقذافي وما أعقبها من فوضى، يجد نفسه أمام حرب مع إيران تثير مخاوف مشابهة بشأن غياب تصور واضح لمستقبل البلاد.
كما ينقل عن نائب الرئيس جيه دي فانس تحذيره من تكرار السيناريو الليبي، وتحول إيران إلى دولة فاشلة، بما قد يترتب على ذلك من موجات لجوء واسعة وانتشار الإرهاب وزعزعة استقرار المنطقة.
الأهداف مرتبطة بمآلات المواجهة
ويشير المقال إلى أن الأهداف الأمريكية المعلنة تشمل ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وتدفق النفط والغاز، ومنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، لكن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطا بمآلات المواجهة وقدرة واشنطن على احتواء تداعياتها.
ويشدد الكاتب على وجود اختلافات جوهرية بين الحالتين الليبية والإيرانية؛ فالتدخل في ليبيا جرى بالتنسيق مع حلفاء وضمن غطاء دولي، بينما اندلعت الحرب على إيران بالتعاون مع إسرائيل، وسط معارضة من شركاء إقليميين وغياب تفويض دولي مماثل، وفق ما يورده المقال.
كذلك لا تتوافر في إيران -بحسب المحللين الذين استشهد بهم الكاتب- معارضة مسلحة داخلية مماثلة للقوى التي واجهت القذافي، كما أن حجم إيران وقدراتها وتحالفاتها تجعل غزوها واحتلالها والسيطرة عليها مهمة شديدة التعقيد.
ومن هنا، ينقل المقال تحذيرات خبراء من أن التفوق الجوي، مهما بلغت فاعليته في إضعاف الخصم أو تدمير قدراته، لا يكفي وحده لإسقاط نظام سياسي وضمان الاستقرار بعده.
فقد أظهرت التجربة الليبية أن غياب التوافق الدولي بشأن المرحلة الانتقالية، وعدم إدارة التوازنات الداخلية، قد يفتحان الباب أمام صراعات طويلة وفراغات أمنية يصعب احتواؤها، مما يجعل العمل الدبلوماسي المستمر وترتيبات الأمن وإعادة بناء مؤسسات الدولة عناصر أساسية في أي إستراتيجية لما بعد الحرب.
درس تحذيري لترمب
ويمتد تحليل نيوزويك إلى البعد الجيوسياسي الأوسع، إذ يربط انهيار الدولة الليبية بتنامي نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، مستشهدا بمشاركة مقاتلين من الطوارق سبق أن قاتلوا إلى جانب القذافي في صراعات لاحقة بشمال مالي.
كما يشير إلى أن روسيا استفادت من تداعيات التدخل الغربي في ليبيا لتعزيز حضورها الأمني في أفريقيا، في حين تتحدث تقارير -وفق المقال- عن تقديم موسكو دعما استخباريا واستطلاعيا لإيران خلال الحرب، بما يعزز قدرتها على استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة.
ويخلص التقرير إلى أن التحدي الأكبر أمام واشنطن لا يقتصر على حسم المواجهة العسكرية، بل يتعلق أيضا بما ستخلّفه من نتائج إستراتيجية على المدى الطويل، لأن الحروب التي لا تستند إلى تصور سياسي واضح لمرحلة ما بعد القتال قد تقوض النفوذ الأمريكي بدلا من تعزيزه، وتُضعف قدرة الولايات المتحدة على ردع خصومها، خصوصا روسيا والصين.
وبذلك، تقدم نيوزويك التجربة الليبية بوصفها درسا تحذيريا لترمب، مفاده أن إسقاط الخصم أو إضعافه عسكريا لا يعني بالضرورة تحقيق النصر السياسي، وقد تتحول نتائج الحرب -في غياب خطة متكاملة لما بعدها- إلى عبء إستراتيجي يفوق المكاسب المتوقعة.





