تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

مقالات · الوسط

الظلام يهدد بابتلاع بلد الأنوار.. لماذا تخشى فرنسا شوارعها؟

بقلم: حسن أوريد

· 5 دقائق قراءة

113
الظلام يهدد بابتلاع بلد الأنوار.. لماذا تخشى فرنسا شوارعها؟

عمان 1 - حسن أوريد

أكاديمي وسياسي مغربي، وأستاذ للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط.

يحب الإنجليز أن يهزؤوا من الفرنسيين بالقول إن الفرنسيين يهدمون بيتا عتيقا، عن آخره، ليعيدوا بناء بيت جديد، بمواصفات البيت العتيق، على خلاف الإنجليز الذين يبقون على البيت العتيق ويرممونه، وفي ترميمهم إياه، يكتسي جدة.

في 17 أكتوبر/تشرين الأول المنصرم اشتعلت فرنسا، تحت تأثير المظاهرات، وتوعد الرئيس بمنع التظاهر إلا بشروط، وجرت المظاهرات بتاريخ 24 أكتوبر/تشرين الأول من دون شغب.

لكن هل تجاوزت فرنسا "محنتها " وهي مقبلة على سلسلة أخرى من المظاهرات؟ أضحى بلد إعلان حقوق الإنسان والمواطن، يخشى حرية التعبير، ومن أدوات التعبير التظاهر. ومصدر الخشية، هو أن التظاهر ينتهي في الغالب، إلى عنف الأمن، وعنف الشارع.

قبل 17 أكتوبر/تشرين الأول كانت الاحتجاجات ذات طبيعة قطاعية تهم التعليم وظروفه، ووقفت التغطية الفرنسية والدولية على مطالب الطلبة والتلاميذ، من تآكل بنيات المؤسسات، والنقص في عدد الأساتذة، وانتقاد مسلسل التوجيه، المعروف بـ "باركوسيب " .

وعقد محللون وسياسيون، من داخل فرنسا وخارجها مقارنة مع سابقة احتجاجات مايو/أيار 1968، ولكن منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول وما صاحب الاحتجاجات من عنف، وشغب، ونهب، اتخذت منحى جديدا لأزمة سياسية وثقافية، ذات مضاعفات تتجاوز فرنسا، مثلما كتبت صحيفة ماليزية باللغة الصينية، من أن ما تعرفه فرنسا أزمة أوروبية بؤرتها فرنسا.

لم تشذ كبريات الصحف العالمية في أرجاء العالم عن الوقوف على الاحتجاجات الفرنسية، والزيغ الذي اكتنفها في 17 أكتوبر/تشرين الأول، من دير شبيغل، إلى إلباييس ، فذي إيكونوميست والديلي تلغراف ، والوطن الجزائرية، والعربي الجديد… إلخ.

وكانت الصورة الفارقة لأعمال التخريب تلك إحراق مبنى بلدية ليموج، ومكتب السياحة في ليون، وكسر نصب ماريان في بلدية مارسيليا، وأعمال تخريب محلات تجارية في باريس.

الظلام في بلد الأنوار

وعلى خلاف ما تردد في كثير من التحليلات من أن احتجاجات الطلبة الفرنسية تحيل إلى شيء مضى، وتعقد تلك التحليلات القرابة مع احتجاجات عام 1968، فإننا أمام وضعية تؤشر إلى ما سيأتي؛ أي أننا أمام إرهاص لتحول كبير في المشهد الثقافي والسياسي في فرنسا، بل في أوروبا.

كانت احتجاجات عام 1968 تصدر عن هاجس الحرية، وكانت احتجاجات شباب مدللين، أما الاحتجاجات الحالية فهي غضب موتورين، يهفو أصحابها إلى المساواة والإخاء.

نعم، يلتقي الأسلوب في مايو/أيار 1968 وأكتوبر/تشرين الأول 2026، وما يطبعه من شعارات جذابة، كما في شعار تغيير الحياة سابقا، وشعار الظلام يسود بلد الأنوار " (Il fait nuit dans le pays des Lumières)، أو العتمة في بلد الأنوار حاليا، لكن النص يختلف.

كانت فرنسا في القرن الماضي تريد اللحاق بالولايات المتحدة أو منظومة العيش الأمريكية، أما فرنسا اليوم فهي أقرب ما تكون إلى العالم الثالث. كان أفق مايو/أيار أحمر، أما سياق مظاهرات أكتوبر/تشرين الأول فيتأرجح بين الأبيض والأسود، كما في الكوفيات التي يحملها بعض الطلاب، بينما يرفرف العلم الفلسطيني في التظاهرات.

كان هاجس طلبة الأمس هو الانعتاق، أما طلبة اليوم فتغلب عليهم الخشية من العودة إلى عام 1939، كما قال واحد من الطلبة، أي أن تركب فرنسا مركب المغامرة العسكرية.

وكان هاجس طلبة الأمس المتعة، وهاجس طلبة اليوم هو ضمان العيش الكريم.

استعمل رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون بعد أحداث 17 أكتوبر/تشرين الأول تعبير التهديد للجمهورية ، وهي أول مرة يستعمل فيها هذا التعبير خلافا لحالات سابقة كان يتم فيها التلويح بتهديد السير الطبيعي للمؤسسات العمومية، أو الإخلال بالنظام العام، أو تهديد الأمن.

لكن التهديد بالجمهورية -والجمهورية، كما يفيد التعبير الفرنسي، ليست مجرد نظام وإنما قيم- أمر غير مسبوق.

لكن ينبغي الإقرار بأن بلد الجمهورية، بصفتها قيما، لم يعد يصغي لأبنائه بل يواجههم بالقوة، ولا يتورع عن التضييق على المتظاهرين، بما فيهم القصر.

إن 7 آلاف من أصل 8 آلاف موقوف سيقوا إلى الحراسة النظرية هم من القصر، الذين يدرسون على مقاعد الثانويات كتاب لابويسي عن الاستعباد الطوعي، وملخص التسامح لفولتير، ويواجهون واقعا مختلفا يمنعهم من التظاهر ويعرضهم لفظاظة الأمن. إنه الليل أو العتمة في بلد الأنوار، كما حملت إحدى اللافتات.

المجتمع الأرخبيلي

لم يعد "الداء الفرنسي " ذلك الذي وقف عنده ألان بيرفيت، من كان وزيرا لدوكول، وكتب كتابا سارت بذكره الركبان بعنوان "الداء الفرنسي "، متمثلا في النزوع إلى المركزية، وإلى رئيس ملكي وتغليب السلطة على الحرية، ولكن إلى ذلك الذي أخذت فرنسا تستشعره حيال جزء من مواطنيها، هؤلاء الذين يسمون أبناء الضواحي، أو الجيل الثالث ، وأحيانا بتعابير قدحية مشينة، كما الحثالة، والجموع، والمارقين، والخارجين عن القانون .

إن فرنسا عام 2026 هي غيرها قبل 50 عاما، وأحسن تحليل لها هو ذلك الذي قدمه عالم الاجتماع جيروم فوكيه حول ما أسماه المجتمع الأرخبيلي، في كتابه "الأرخبيل الفرنسي ".

تتكون فرنسا من جزر ثقافية متقاربة من حيث المسافات ومتباعدة من حيث الثقافة ونظام العيش، مع انتفاء "القوارب" والجسور التي تربط بينها، أو وسائل التنشئة التي كانت قائمة في السابق كالمخيمات والخدمة العسكرية والتعليم.

ينطوي المجتمع الأرخبيلي على العنف الكامن والمستتر، و يمكن أن ينفجر في أي لحظة؛ فهو وضع قابل للاشتعال تكفي شرارة واحدة لكي يضطرم.

إن أهم عنصر من عناصر التنشئة من شأنه أن يذيب الفوارق هو المدرسة، لكنها معطلة، وتعمق التفاوتات في ظل ازدواجية تعليمية بين قطاع عمومي متآكل وقطاع خاص لأبناء العلية، أما العنصر الثاني فهو الأمن، ولكنه غير محايد.

اضطلعت أدوات الأمن والجيش دوما بدور أساسي في التنشئة، وتذويب الاختلافات الإثنية، والثقافية والعقدية، في أوروبا وفي غيرها، لكن الأمن الفرنسي أضحى، كما أفرد عالم الاجتماع الفرنسي سباستيان روشيه، عنصرا مغذيا للتوتر، في كتابه "الأمة غير المكتملة، الشبيبة أمام المدرسة والأمن " .

ولا تتصرف قوات الأمن بالطريقة نفسها في الأحياء الراقية، كما في الأحياء "الحساسة " أو المناطق البلدية الحساسة ومع "الملونين ".

أما تعامل الأمن الفرنسي مع المتظاهرين فقد أضحى ظاهرة، إذ لا يعرف الأمن الفرنسي، كما علقت "دير شبيغل، ما معنى خفض التصعيد أو التناسب.

تشكو فرنسا مما يسميه البعض راديكالية الأمن، وهذه الراديكالية هي التي تلهب راديكالية الشارع، ذلك أن الأمن في فرنسا هو حام للدولة وللسلطة، وليس المواطنين. فالشرطة ليست جزءا من الحل، وعنفها هو ما يغذي عنف الشارع.

والاحتجاجات الأخيرة هي استمرارية لانتفاضة الضواحي عام 2005، والسترات الصفراء في عام 2019، والاحتجاجات التي أعقبت مقتل الفتى نائل (نايل بالنطق الفرنسي) مرزوق عام 2023؛ وهي رد فعل ضد انتفاء الكرامة، وهي انتفاضة ضد راديكالية الشرطة.

سياق ملتهب

هذا الوضع المضطرب — الذي يسميه الفرنسيون بالحرب الأهلية الباردة، يجري في سياق مضطرم، داخليا، وملتهب دوليا.

تشكو فرنسا على المستوى الداخلي لعنة المجتمع الأرخبيلي، وهو مصطلح مؤدب، يخفي حقيقة مرة هي واقع الفصل العنصري (الأبارتيد).

وإلى جانب ذلك، تشهد فرنسا تقاطبا بين اليمين المتطرف واليسار الراديكالي؛ إذ يرفع الأول شعار الإقصاء والنزوع الهوياتي وخطر الاستبدال والتطهير الثقافي، في حين لا يتورع اليسار المتطرف عن الإشادة بالعنف واللجوء إليه.

ويؤجج السياق الدولي الوضع الاجتماعي الهش لشرائح عدة، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وغلاء المعيشة، جراء الحرب الروسية الأوكرانية. انقسمت فرنسا جراء تداعيات الحرب على غزة، وتفاقم الوضع في أعقاب الحرب الأمريكية الإيرانية.

تؤشر التظاهرات الأخيرة التي تشهدها فرنسا إلى نهاية مرحلة، وفق عالم الاجتماع جيروم فوكيه، مما يحتم عقدا جديدا.

فهل تستطيع فرنسا أن ترقى إلى عقد اجتماعي تتجاوز فيه الشرخ الثقافي والاجتماعي الذي تتأذى منه، أم أنها تغشى سياقا جديدا بلا أفق أو رؤية، لتهدم البيت وتعيد بناءه بالمواصفات القديمة؟

من مقالات

أحدث الأخبار