عمان 1 - في واحدة من أغرب الروايات المرتبطة بالحرب العالمية الثانية، تبرز قصة مجموعة من 17 ساحرا وساحرة بريطانيين قرروا مواجهة الزعيم النازي أدولف هتلر بطريقة غير مألوفة، بعدما اجتاحت جيوشه معظم أوروبا وبدأت بريطانيا تستعد لاحتمال تعرضها لغزو ألماني.
لم يحمل هؤلاء أسلحة، ولم يخططوا لعملية عسكرية، بل لجؤوا إلى طقوس سحرية اعتقدوا أنها قادرة على التأثير في عقل الزعيم النازي ومنعه من عبور القنال الإنجليزي.
وقد نشر هذه القصة الكاتب ويليام لوسون في مجلة ناشونال إنترست الأمريكية يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026 تحت عنوان: "عملية مخروط القوة": هل منع السحرة البريطانيون هتلر من عبور القنال الإنجليزي؟".
ولوسون هذا مؤرخ عسكري متخصص في الحرب العالمية الثانية والصراعات خلال القرن العشرين، مع اهتمام خاص بالمستوى العملياتي للحروب والعقيدة العسكرية الأمريكية في عمليات الإنزال البرمائي، كما يكتب في موضوعات التاريخ والسياسة والشؤون العسكرية لعدد من المنشورات والدوريات المتخصصة.
تعود أحداث القصة إلى صيف عام 1940، عندما كانت بريطانيا تواجه واحدة من أخطر لحظاتها التاريخية، ففي 10 مايو/أيار من ذلك العام، شنت ألمانيا النازية هجومها على الجبهة الغربية، وتمكنت خلال أسابيع من احتلال فرنسا ودول البنلوكس، بينما اضطرت القوات البريطانية إلى الانسحاب من القارة الأوروبية عبر عملية إجلاء دونكيرك.
وبحلول أغسطس/آب، أصبحت بريطانيا تقف وحدها تقريبا في مواجهة القوة العسكرية الألمانية، في حين كان هتلر يدرس إمكانية تنفيذ عملية إنزال عسكري عبر القنال الإنجليزي، عُرفت باسم: "عملية أسد البحر".
وفي الوقت الذي كانت فيه معركة بريطانيا الجوية تقترب من ذروتها، كانت مجموعة من أتباع المعتقدات الوثنية الجديدة تستعد لتنفيذ طقس اعتقدت أنه قد يساهم في إحباط خطط هتلر.
ووفقا لرواية جيرالد غاردنر، الموظف البريطاني الذي أصبح لاحقا أحد أبرز مؤسسي حركة الويكا الوثنية الحديثة، التأمت المجموعة في الأول من أغسطس/آب 1940 داخل إحدى غابات نيو فورست، الواقعة جنوب إنجلترا بالقرب من الساحل المقابل للقنال الإنجليزي.
وكان لاختيار الموقع دلالة خاصة، إذ إن المنطقة المحيطة بميناءي بورتسموث وساوثهامبتون كانت من المناطق التي يمكن أن تستهدفها القوات الألمانية في حال تنفيذ عملية إنزال واسعة، وضمت المجموعة 17 شخصا، معظمهم من البريطانيين المتقدمين في السن الذين لم يكن بمقدورهم الالتحاق بالقوات المسلحة والمشاركة في القتال.
تعويذة لإيقاف هتلر
وبحسب رواية غاردنر، رسم المشاركون دائرة طقسية داخل الغابة، وتجنبوا إشعال النيران حتى لا يلفتوا الأنظار، واستخدموا على الأرجح مصباحا صغيرا لتوجيه تركيزهم نحو برلين.
ثم بدؤوا الرقص والإنشاد والتحرك في مسارات دائرية متصاعدة، بهدف الوصول إلى حالة من التركيز والانفعال الروحي اعتقدوا أنها تتيح لهم توجيه طاقتهم نحو هدف محدد.
واستخدمت المجموعة ما يُعرف في المعتقدات السحرية باسم "تعويذة التقييد"، وهي طقوس لا تستهدف إلحاق الأذى بالشخص المقصود، بل منعه من القيام بفعل معين، وكان هدفهم هذه المرة واضحا: منع هتلر من غزو بريطانيا.
وتمحورت الرسالة التي أرادوا إيصالها إلى الزعيم النازي حول تكرار عبارة: "لا يمكنك عبور البحر.. لا يمكنك عبور البحر"، و"لن تستطيع المجيء.. لن تستطيع المجيء".
ومن هنا جاء اسم "مخروط القوة"، في إشارة إلى الطاقة التي اعتقد المشاركون أنهم يجمعونها ويوجهونها نحو عقل هتلر، كما اعتقدوا أن ممارسات مشابهة استُخدمت في الماضي لمواجهة تهديدات عسكرية كبرى، منها محاولة إيقاف نابليون بونابارت في مطلع القرن الـ19، ومواجهة الأسطول الإسباني المعروف باسم "الأرمادا" عام 1588.
ويشير غاردنر إلى أن الطقس استنزف المشاركين بدنيا بصورة كبيرة، وأن بعضهم توفي خلال الأيام التالية نتيجة الإرهاق، غير أن هذه الرواية لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، خصوصا أن هويات أفراد المجموعة لم تُكشف بالكامل.
لماذا لم يعبر هتلر القنال الإنجليزي؟
المثير في القصة أن ألمانيا لم تنفذ غزوها لبريطانيا بالفعل، رغم إعداد الخطط العسكرية اللازمة لذلك، لكن المؤرخين العسكريين يقدمون تفسيرات أكثر واقعية لهذا الإخفاق.
فقد فشل سلاح الجو الألماني، خلال معركة بريطانيا، في تحقيق التفوق الجوي الضروري لتأمين عبور القوات الألمانية، كما ظلت البحرية الملكية البريطانية تمتلك تفوقا بحريا كبيرا، في حين لم تكن البحرية الألمانية مستعدة لخوض عملية إنزال واسعة عبر القنال الإنجليزي.
وكانت خطة "أسد البحر" تعاني أيضا من نقص وسائل النقل والإنزال البحري المناسبة، إذ اعتمد الألمان بدرجة كبيرة على صنادل نهرية جرى تجهيزها لنقل القوات، وهي وسائل بطيئة ومعرضة للهجمات الجوية والبحرية البريطانية.
وفضلا عن ذلك، فإن القوات الألمانية المحمولة جوا، رغم قوتها، لم تكن قادرة بمفردها على احتلال الأراضي البريطانية والاحتفاظ بها دون وصول تعزيزات برية ومدرعات.
وبحلول خريف 1940، بدأ اهتمام هتلر يتحول تدريجيا نحو الشرق، حيث كان يخطط لغزو الاتحاد السوفياتي، وهي العملية التي أطلقها في يونيو/حزيران 1941 تحت اسم "بارباروسا".
وهكذا، لم يعبر هتلر القنال الإنجليزي، لكن لا توجد أدلة تاريخية تثبت أن طقوس المجموعة البريطانية كان لها أي تأثير في قراره، ومع ذلك، يطرح المقال احتمالا مثيرا للجدل: إذا كان هتلر مهتما بالفعل بعالم السحر والمعتقدات الغامضة، كما يقول الكثيرون، فهل كان من الممكن أن يكون أكثر تأثرا بمثل هذه الطقوس؟ أم أن الأمر لا يتجاوز مصادفة تاريخية تحولت إلى أسطورة؟





