الصلاحية التقديرية وإشكالية ممارستها في إدارة شؤون القضاء
عمان1:بقلم القاضي المتقاعد راتب الطعاني
قراءة مؤسسية في قرارات الاحالة على التقاعد التي تمت وفقا لاحكام المادة ١٥ من قانون استقلال القضاء الاردني والتي من ضمنها قرار احالتي على التقاعد #وضمانات الطعن القضائي
تُعدّ الصلاحية التقديرية من أكثر الأدوات حساسية في يد الإدارة، وتزداد هذه الحساسية حين تُمارس داخل السلطة القضائية، حيث لا تمس مركزاً وظيفياً عادياً، بل تطال جوهر استقلال القضاء وضماناته المؤسسية.
فالصلاحية التقديرية، في أصلها الفقهي، ليست امتيازاً مطلقاً، وإنما استثناء يُفسَّر تفسيراً ضيقاً، ويُشترط لصحته أن يُمارس في إطار المصلحة العامة، وتحت رقابة القضاء الإداري من زاوية المشروعية، ولو خرج عن رقابة الملاءمة.
(انظر: سليمان الطماوي، القضاء الإداري، نظرية التعسف في استعمال السلطة).
وفي هذا السياق، تبرز قرارات الإحالة على التقاعد الصادرة استناداً إلى نصوص تمنح جهة الإدارة القضائية سلطة تقديرية واسعة، باعتبارها من أخطر القرارات المؤسسية أثراً، لما يترتب عليها من مساس مباشر باستقرار القاضي المهني وأمنه الوظيفي، وما لذلك من انعكاس على ثقة الجسم القضائي بمجمل المنظومة.
إن التنسيب بالإحالة على التقاعد الذي صدر عن رئيس المجلس القضائي آنذاك محمد الغزو، يطرح – من زاوية مؤسسية بحتة – إشكالية قانونية لا تتعلق بالشخص أو النوايا، بل بالنهج المعتمد في تفسير وتفعيل الصلاحية التقديرية.
فقد استند القرار إلى النص القانوني المجرد، دون بيان مناط المصلحة العامة التي اقتضت الإحالة، ودون تحديد معايير موضوعية يمكن إخضاعها للرقابة القضائية اللاحقة، الأمر الذي أدى عملياً إلى توسيع نطاق السلطة التقديرية إلى حد يقترب من الإطلاق.
ولا يكمن الخلل هنا في وجود النص القانوني ذاته، بل في كيفية استعماله. فالفقه الإداري مستقر على أن النص، مهما بدا واضحاً، لا يكتسب مشروعيته الكاملة إلا إذا فُعِّل في ضوء الغاية التي شُرِّع من أجلها، وإلا انقلب إلى أداة إضرار.
(عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الانحراف في استعمال الحق، مع القياس المستقر بين الانحراف في استعمال الحق والانحراف في استعمال السلطة).
وفي قضايا القضاء تحديداً، لا يكفي أن يكون القرار محمياً بنص تشريعي، بل يجب أن يكون مشبعاً بروح العدالة المؤسسية، ومراعياً لأثره على الثقة العامة بالقضاء كسلطة مستقلة لا تُدار بمنطق الغلبة الإدارية.
وقد استقر قضاء مجلس الدولة الفرنسي على إخضاع القرارات التي تمس الوضع القانوني للقضاة أو كبار الموظفين لرقابة مشددة من حيث الغاية والملابسات، ولو صدرت في إطار سلطة تقديرية
(CE, Barel, 1954؛ CE, Gomel, 1914).
إن أخطر ما يترتب على التوسع في استعمال الصلاحية التقديرية في هذا المجال، هو تكريس انطباع لدى القضاة بأن مراكزهم القانونية قد تكون عرضة للتغيير دون معايير معلنة أو ضوابط متوقعة، وهو انطباع – حتى لو لم يكن مقصوداً – يُضعف الإحساس بالأمان الوظيفي، ويؤثر سلباً في البيئة القضائية ككل.
فاستقلال القضاء، وفقاً للمعايير الدولية، لا يُقاس فقط بعدم التدخل الخارجي، بل يُقاس أيضاً بمدى ضبط السلطة داخل المؤسسة القضائية نفسها
(مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، 1985).
الجهة المختصة بنظر الطعون وضمانة الحماية القضائية الفعّالة
#ولا تكتمل دراسة مشروعية قرارات الإحالة على التقاعد دون التوقف عند الجهة القضائية المختصة بنظر الطعون فيها، لأن قيمة الحق في الطعن لا تُقاس بمجرد تقريره نظرياً، بل بمدى فعاليته العملية في توفير حماية قضائية مستقلة ومحايدة.
فالطعن في مثل هذه القرارات ينعقد اختصاصه للقضاء الإداري، بوصفه قضاء المشروعية المختص برقابة أعمال الإدارة، بما في ذلك القرارات الصادرة عن الجهات القائمة على إدارة شؤون القضاء ذاته، وفقاً لأحكام الدستور وقانون القضاء الإداري.
غير أن الإشكالية المؤسسية تبرز حين تكون الجهة مصدِرة القرار – أو المؤثرة فيه – ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بتشكيل الهيئات القضائية، أو بالمسار الإجرائي للإحالات الدستورية المتفرعة عن الدعوى، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى استقلال جهة الطعن استقلالاً بنيوياً عن جهة القرار.
وهنا لا يُطرح الأمر من زاوية التشكيك في نزاهة القضاة أو ذممهم، وإنما من زاوية الضمانات المؤسسية المجردة التي تشترطها المحاكمة العادلة، والتي تستوجب أن تكون جهة الفصل في الطعن منفصلة وظيفياً ومؤسسياً عن جهة القرار.
وقد استقر الفقه الدستوري المقارن على أن استقلال القضاء لا يتحقق فقط بعدم التدخل في عمل القاضي عند الفصل في الخصومة، بل يتحقق أيضاً بضمان ألا يكون مسار التقاضي ذاته خاضعاً لتأثير الجهة محل الطعن، سواء في التشكيل أو في الإجراءات أو في السلطة الوظيفية أو التأديبية
(Garlicki, Constitutional Courts versus Supreme Courts).
وفي هذا الإطار، فإن فعالية رقابة القضاء الإداري – بما في ذلك رقابة المحكمة الإدارية العليا – على القرارات المتعلقة بشؤون القضاة، تظل رهناً بمدى توافر الاستقلال المؤسسي الكامل، لا الاستقلال الوظيفي فحسب، لأن أي شبهة تداخل بين جهة الإدارة القضائية وجهة الفصل في الطعن تُضعف – ولو معنوياً – ثقة المتقاضين بعدالة الإجراء، وتنتقص من قيمة الضمانة القضائية التي أرادها الدستور.
خاتمة
وخلاصة القول، إن أي قراءة مسؤولة لهذا النوع من القرارات تقتضي إعادة طرح سؤال جوهري لا يخص حالة فردية بعينها، بل يتصل بمستقبل القضاء ذاته:
هل نريد الصلاحية التقديرية أداةً لإدارة رشيدة تحمي المرفق القضائي، أم أداة سيادة داخلية تُمارس بمعزل عن معايير قابلة للفهم والرقابة؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو ما يرسم الحد الفاصل بين قضاء مستقل تحكمه الضوابط، وقضاء تُدار شؤونه بمنطق السلطة لا بمنطق المشروعية .