عمان 1 - عاشت حركة الطيران في أوروبا لحظات من الرعب والإرباك، فمع تواتر الإشعارات المتزامنة في أكثر من مطار ورحلة بوجود قنابل وتهديدات أمنية، كانت المشاعر بين الركاب مختلطة تستبق اللحظات بأكثر من سيناريو كارثي محتمل.
وقد روى ركاب تفاصيل هبوط طائراتهم في قواعد عسكرية وخضوعهم لإجراءات أمنية وتأخير في رحلاتهم، في وقت ساد فيه اعتقاد بين المسؤولين بوجود خطب ما في سماء أوروبا قبل أن يتنفس الجميع الصعداء بعد التحقق من أن الأمر يتعلق بـ"إشعارات مضللة" لكنها تنطوي على دوافع عدائية وتكتيكات قد تكون ذات علاقة بالحرب الهجينة.
حشد أمني وكلاب مدربة
نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عن مسافر إيطالي يدعى نيكولا تيمبوني، كان على متن طائرة تابعة لشركة "إير لينغوس" متجهة من دبلن إلى روما، أنه سمع الطيار يشير إلى وجود مشكلة فنية تستدعي تغيير مسار الرحلة نحو باريس.
لكنه عاد بعد فترة، ليعلن أنهم سيهبطون في مطار فرنسي آخر للتزود بالوقود، بينما شاهد تيموني طائرة مقاتلة عبر النافذة دون إنذار مسبق.
وبحسب المعلومات التي جمعتها الصحيفة، نزل الركاب بعد ذلك على دفعات، ضمت كل منها 10 أشخاص، حيث خضعوا هم وحقائبهم للتفتيش من قبل عناصر أمنية برفقة كلاب بوليسية مدربة. ثم نُقلوا لاحقا عبر حافلات إلى موقع آخر داخل القاعدة، حيث خضعوا للفحص مجددا.
ولاحقا نقلت الصحيفة عن متحدث من داخل صالة رياضية في قاعدة جوية فرنسية، حيث تم تجميع نحو 150 راكبا آخرين بعد تحويل مسار رحلتهم: "بينما كنا نهبط، رأينا على طول المدرج انتشارا لقوات الشرطة ورجال الإطفاء وسيارات الإسعاف. لقد كان ذلك مخيفا حقا".
وفي تلك الأثناء، كانت هيئة الحماية المدنية الفرنسية تقدم الطعام والماء والدعم النفسي لبعض الركاب الذين انتابهم القلق أثناء انتظارهم لنقلهم إلى باريس.
وقال المسافر تيمبوني للصحيفة "لحسن الحظ، انتهت الأمور على خير، لكن مثل هذه التجارب تترك أثرا لا يُمحى في النفس".
إثارة وخوف
كان المشهد أكثر إثارة مع الطائرة التابعة للخطوط البولندية في رحلتها من وارسو إلى باريس، والتي اضطرت للتوقف في نهاية المدرج قبل إقلاعها لأسباب تتعلق بالسلامة قبل أن يصل رجال الإطفاء وضباط الشرطة ليبدأوا عملية تفتيش واسعة بالطائرة باستخدام كلاب بوليسية مدربة.
ووفق شهادة أحد الركاب لنيويورك تايمز، غادرت الطائرة بعد ٣ ساعات من التوقف لكن حجم الإحباط كان كبيرا لدى بعض الركاب بعد أن تناهى الى مسامعهم تهديدات بوجود قنابل، تم تكذيبها لاحقا.
ولم يكن الوضع أقل إثارة وخوفا في مدرج مطار بوخارست برومانيا عندما هبطت طائرة تابعة لشركة "ويز إير" قادمة من ميلانو وكان في استقبالها سيارات إطفاء وعناصر أمن رومانيون مسلحون وملثمون.
ورغم حالة القلق المتفشية في الطائرة، كانت الأنباء المتواترة في المطارات الأوروبية حول التهديدات بوجود قنابل، قد أثارت شكوكا بشأن حقيقة هذه المخاطر، وفق الصحيفة.
تحقيق في "إفرو"
لكن الشعور لم يكن كذلك بالنسبة للمسافرين الذي كانوا في الجو عند تناقل الإشعارات الكاذبة. وروى المسافر جون ماي، الذي كان على متن رحلة لشركة "إير لينغوس" من دبلن إلى روما، أنه بعد حوالي ساعة من بدء الرحلة التي تستغرق ٣ ساعات، طلب الطيار من طاقم الضيافة الانضمام إليه فورا في قمرة القيادة.
وأشار جون ماي في إفادته لنيويورك تايمز، إلى أن أفراد الطاقم خرجوا من القمرة وبدت عليهم علامات الاضطراب. وذكر أن الطيار، بعد إعلانه عن وجود تهديد بوجود قنبلة، حاول طمأنة الركاب بالقول إن التهديد "غير جدي". ومع ذلك، قامت السلطات الفرنسية بتغيير مسار الطائرة لتتوجه إلى قاعدة جوية عسكرية في "إفرو"، على بعد نحو 50 ميلا شمال غرب باريس.
في الأثناء خضع ماي وبقية الركاب الذين انتظروا داخل الطائرة في القاعدة العسكرية لمدة ساعتين، إلى عمليات تفتيش من فريق متخصص شمل حقائبهم، في حين صرح المدعي العام في "إفرو" بأنه فتح تحقيقا في الواقعة.
أساليب الحرب الهجينة
مع أن الأثر كان محدودا للإشعارات المضللة، إلا أن مسؤولين أفادوا بأن أكثر من 24 رحلة جوية، كانت تقل مئات الركاب، تعرضت للاضطراب هذا الأسبوع. لكن جميع الطائرات هبطت بسلام بينما لم يُعثر على أي متفجرات على متن أي منها كما لا تزال مصادر هذه التهديدات غير معروفة.
مع ذلك ظهرت أولى النماذج عن تلك الإشعارات الكاذبة، حيث صرح مسؤولون في شركة "مطارات روما"، التي تدير المطارين التجاريين في العاصمة الإيطالية، بأن أحد التهديدات وصل صباح الخميس عبر بريد إلكتروني مكتوب باللغة الإيطالية، يحمل عنوان "إشعار بوجود تهديد".
ونقلت "نيويورك تايمز" عن متحدث باسم الشركة المشغلة للمطارين أن الرسالة أُرسلت من قِبل جهة تطلق على نفسها اسم "مقاتلو الدولة الذكورية"، حيث ادعوا أنهم يستهدفون "نظاما نسويا" وهددوا بـ"صبغ السماء باللون الأحمر" من خلال تفجيرات.
وفي سياق متصل، قدم مسؤولون آخرون تفاصيل أقل، إذ أشارت الشرطة في جمهورية التشيك، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن التهديدات تضمنت الإشارة إلى وضع "عبوة ناسفة بدائية" على متن إحدى الطائرات.
وسواء كانت إشعارات كاذبة أو جدية، أشاعت هذه الحوادث حتى الآن حالة من القلق البالغ في أوروبا بشأن أمن المجال الجوي، الذي شهد في الأشهر الأخيرة سلسلة من هجمات "الحرب الهجينة"، في ظل اختراق تداعيات الحرب الروسية ضد أوكرانيا الحدود.
ويرى ريس جونز، المحلل الأمني في شركة "أوسبري" الاستشارية لمخاطر الطيران، في تعليقه لـ"نيويورك تايمز"، أن الأمر يبدو كحملة منسقة من بلاغات كاذبة عن وجود قنابل.
أما بيتر نيومان، أستاذ الدراسات الأمنية في "كينغز كوليدج لندن"، فقد أشار إلى وجود سمات لما يعرف بـ"الهجوم الهجين"، الغاية منه إحداث حالة من الاضطراب العام والفوضى والشعور بالتهديد وعدم اليقين.





