تخطي إلى المحتوى
البث

ألمانيا الشرقية تعود.. من هي القوى التي تريد بناء الجدار مجددا؟

28 سبتمبر 2026 - 11:50 ص
ألمانيا الشرقية تعود.. من هي القوى التي تريد بناء الجدار مجددا؟
شارك:
276
عمان 1 : 
مروان الغفوري
كاتب وروائي يمني.

في يناير/كانون الثاني 2015 دعت حركة "بيغيدا" إلى مظاهرتين متزامنتين، في مدينة كولن بأقصى غرب ألمانيا، وفي مدينة دريسدن في أقصى الشرق. بلغ عدد المتظاهرين في الغرب أقل من 500 شخص، وفي الشرق حوالي عشرين ألفا. كانت "بيغيدا" قد دشنت مظاهراتها المناهضة للمسلمين في المقام الأول، وللأجانب ثانيا، بما أطلق عليه النزهات الليلية.
بالقرب من كاتدرائية كولن الشهيرة تجمع أنصار بيغيدا [ومعناها: وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب]، ليجدوا أنفسهم محاطين بحوالي عشرة آلاف متظاهر مضاد، الكاتدرائية الشهيرة أطفأت أنوارها، وعلى منوالها انطفأت أنوار الجسور والمباني الحكومية. في دريسدن، على الطرف الآخر، هيمن المتظاهرون على الشوارع، وبدا أنهم يتحركون في بيئة خصبة، بخلاف كولن.
أكدت تلك الليلة وجود جدار رفيع، محسوس وغير مرئي، يفصل بين شرق ألمانيا وغربها. لا يزال النقاش يدور حول هذه الظاهرة المعقّدة، فالخيال السياسي الشعبي الألماني يدور في فضاءين مختلفين شرقا وغربا، كما لو أننا بإزاء دولة واحدة بمنظومتين ذهنيتين.
في الأيام الماضية أبانت نتائج الانتخابات في عدد من ولايات الشرق أن الحزب اليميني الراديكالي "البديل من أجل ألمانيا" حاز، منفردا، مكاسب تضاهي ما جنته أحزاب الوسط التقليدية الأربعة (الاتحاد المسيحي الديمقراطي CDU، والاشتراكي الديمقراطي SPD، والخضر Grüne، والليبرالي الحر FDP) مجتمعة.

لا يمكن القول إن هذا الفوز، الآخذ في الاتساع، يشكل تحولا بنيويا داخل الحقل السياسي الألماني، بل هو انكشاف لحقيقة اجتماعية كانت كامنة تحت السطح، وهي أن سماء ألمانيا منقسمة، إذا ما استعرنا عنوانا للكاتبة كريستا وولف.
دعونا نلقِ نظرة معمّقة على الشرق الألماني ليلة سقوط جدار برلين. بين عشية وضحاها انهار الكيان الشرقي بالكامل، ابتلعه الغرب الألماني. فقد مواطنو "جمهورية ألمانيا الديمقراطية" عملتهم، ونظامهم المدرسي، وهياكلهم الاقتصادية، وحتى نخبهم الأكاديمية. خلال وقت قصير هاجر ما يداني مليوني شخص من حملة الشهادات من شرق ألمانيا إلى غربها.
كما ابتلعت الرأسمالية الغربية البنية التحتية للاقتصاد الشرقي، من مصانع وغيرها. على الصعيد الثقافي تفككت الروابط الشبابية والحزبية، فوجد آلاف الشبيبة أنفسهم في متاهة وذهول.
كانت الدولة الشيوعية توفر أمانا من نوع خاص لمواطنيها، فهي تؤمّن لهم العمل والمبيت وكذلك التجانس الاجتماعي-النفسي. التجانس هُنا مسألة إشكالية، فإن "الإنسان الاشتراكي" يتجاوز حدود الأسرة، والمعقل الصغير للبورجوازية، ليصبح ذاتا ذائبة في كيان متجانس أيديولوجيا، كالشبيبة والرابطة والمصنع وغيرها.

لم يكن سقوط جدار برلين، إذا ما أخذنا هذه الصورة في الحسبان، أقل من انهيار كامل للذات الشرقية، وللمجتمع العمّالي المترابط، وللمحاضن. فلم يعبر الشرقي إلى الغرب، بل وقف أمام طاحونة رأسمالية تفتقر إلى التعاطف والترابط وحتى الوشائج. خصوصا وهو القادم من كيان سياسي لطالما ادّعى أن النازية مجرد مرض رأسمالي عضال، وأن المجتمع الألماني فاضل بطبيعته وشديد الترابط من داخله.
في الأجواء تلك اصطدم الألماني الشرقي بالحقيقة الرأسمالية المركزية: الداروينية الاجتماعية، أو البقاء للأقوى. الدولة الأبوية صارت من الماضي، والروابط الشبابية تفككت، كما فقدت البنى الشرقية الأخرى، من الثقافة إلى الاقتصاد، وجودها المعنوي والمادي معا.
كان ذلك هو شكل "الوحدة الألمانية" الذي احتفى به العالم الليبرالي، والذي يرى فيه الشرقيون "بخسا" أو تدميرا للمكانة والقيمة "Entwertungserfahrung". هل اتحد الشرق بالغرب، أم إن الأخير ابتلع الأوّل؟

يقدم التاريخ شواهد كثيرة على أن الشرق الألماني انهار فجأة، على الأقل كبنية مادية وبيروقراطية. ربما يفسّر هذا الجواب الظاهرة الارتدادية الشرقية، مثل معاداة المؤسسة، فقدان الثقة بالديمقراطية، وتفضيل فكرة "الرجل القوي" على التمثيل الديمقراطي.
يذهب الرفض إلى إدانة ثقافة الذاكرة وإدارة الماضي، واعتبار الحديث عن حصر الذاكرة في إرث الحقبة النازية اختزالا مدمّرا للتاريخ الألماني. كما أن كل ما هو ليبرالي بالضرورة غير ألماني، كما يقول الخطاب الشعبوي لحزب البديل. ففي لقاء حديث مع بودكاست سويسري قال هوكه، أبرز قادة اليمين: "في شرق ألمانيا يعيش الألمان، وفي غرب ألمانيا يعيش أمريكان يتحدثون الألمانية".
مثّلت "صدمة الحرية"، كما يفككها الباحث الألماني كوفالشوك في كتاب يحمل ذات الاسم، العتبة التي لم يجتزها أغلب الشرقيين حتى الآن. اندفع الشرقيون بحثا عن الغرب الذهبي قبل أن يتبينوا أن الديمقراطية الليبرالية كانت تلقي الوعود بالرفاه باليد اليُمنى، وتوزع اللامساواة والقسوة باليد اليسرى. عاش الشرقيون داخل حاضنة أبوية اسمها ألمانيا الشرقية، قاسية وحنونة في الآن ذاته، توفّر الكنف وتكذب على شعبها.

ورث الشرقيون من تلك الأيام شكهم العميق في خطاب المؤسسة الرسمية، والآن يتعاملون مع الميديا الليبرالية بالطريقة نفسها: الشك، بل التكذيب. عجز الخطاب الليبرالي في إبعاد الناخبين عن حزب البديل الراديكالي، فما يصدر عن المؤسسات الرسمية، ومواليها، هو كاذب بالضرورة والخبرة!
لنسمح لأنفسنا بتخيل دولة تفرّغ بين عشية وضحاها من العمالة الماهرة، ومن المصانع. ليس بهذا القطع الحاد، ولكن الأمور أخذت هذه الصورة مع الهجرة إلى الغرب وإعادة هيكلة اقتصاد الشرق، وابتلاعه. في آخر الأمر صار لدينا شرق ألماني على قطيعة ثقافية عميقة مع غربه. فبحسب الدراسة التي أجرتها مؤسسة فريدريش-إيبرت، 2023، فإن نسبة عدم الرضا النسبي والمطلق عن الديمقراطية بلغت 67% في شرق ألمانيا.
يأخذ عدم الرضا أشكالا مختلفة، بعضها إرهابي كما حدث في تسعينيات القرن الماضي، وبعضها سياسي انتقامي كما يجري في الوقت الحاضر مع التصويت اللافت لليمين الراديكالي.
هذه المسألة الشائكة لا تزال مثار جدل على كافة الأصعدة، وحتى هذا الجدل يأخذ أيضا صيغته التقليدية: "شرق وغرب". يحاول باحثون عديدون القول إن هنالك، بالفعل، شخصية شرقية ألمانية تشكّلت في سياق تاريخي، وأن المجتمع الشرقي انتقل من البروسية إلى النازية ثم الشيوعية دون أن يمر بتجربة ليبرالية من أي نوع، إذا ما تجاهلنا حقبة جمهورية فايمر القصيرة.
يبدو هذا الطرح إلى حدّ ما معقولا، غير أن شتيفان ماو يذهب في كتابه "متحدون بلا مساواة Ungleich vereint" إلى أن الطريقة التي جرى بها دمج الألمانيتين دفعت المجتمعين في مسارين مختلفين من التحديث الاقتصادي والثقافي.
في كتابه "الشرق اختراع ألماني غربي" استعان ديرك أوشمان -أستاذ الأدب الألماني بجامعة لايبزيغ- بأساليب وتكتيكات إدوارد سعيد في تفكيك المسألة الشرقية الألمانية. فالشرق ليس جغرافيا، بل بنية خطابية من اختراع الغرب ليعرّف نفسه من خلالها. الغرب هو المعيار والحالة الطبيعية في الرؤية الليبرالية، فالكاتب من غرب ألمانيا هو كاتب ألمانيا، يلاحظ أوشمان، أما الكاتب من شرق ألمانيا فهو "كاتب ألماني شرقي". كما لو أن المسألة الشرقية أبعد من ثقافة، إنها إشكالية جينية في الأساس.
داخل حلبة النقاش هذه يبدي مثقفون غربيون رفضهم حالة الضحية التي علقَ فيها شرق البلاد، ولعقدة التفوق التي تصبغ الخطاب الذي ينتج غربا. يأخذ الجدل ثنائية لافتة، إذ يرى الغربيون أن الدولة أنفقت الكثير على إعادة إصلاح البنية التحتية في الشرق، دفعت ذلك من "ضريبة التضامن". في حين يرى الشرقيون أن ما دفعوه في سبيل الوحدة أكثر من مجرّد مليارات من الدولارات، لقد دفعوا مكانتهم الرمزية وهويتهم.

الهوية هنا اللاعب الأساسي الذي جعل الشرق الألماني عنصرا غير مستقر. الكيان الأم، الدولة الشرقية، تلاشى من الوجود مخلّفا شعبا بلا هوية سياسية واضحة المعالم. توجّب على ذلك الشعب، وكان يمثّل أقل من 20% من سكان البلاد، أن يندمج مع مجتمع ليبرالي ديمقراطي وحياة مفتوحة، وأن يستوعب تلك الصدمة الشاملة التي لوّحت بتغيير كل حياته بل انتزاعه من واحة الأمان.
في المتاهة تلك تشكلت ظواهر فاشية عديدة مارست العنف الوحشي في الفضاء العام، طال عنفها المهاجرين والعمّال الأجانب وحتى اليسار. لم يكن العنف مقصودا لذاته بقدر ما كان بحثا عن هوية أو تعبيرا عنها. تأخذ قصّة العامل الأنغولي "أماديو أنطونيو" مكانها كمدخل في الدراسات الاجتماعية التي تحاول فهم طبيعة المجتمع الألماني الشرقي.
فبعد إعلان الوحدة بوقت قصير، عام 1990، هاجمت عصابة من عشرات الشبان ذلك العامل بمضارب البيسبول وأوسعوه ضربا حتى الموت. مثّلت الحادثة بداية الحقبة التي ستُدعى "سنوات مضارب البيسبول Baseballschlägerjahre"، ويعنى بها محاولة استعادة الهوية من خلال العنف المنفلت ضد كل من هو "آخر" في الشرق الألماني. فتحت تلك الحادثة الباب لمتتالية مستدامة من العنف حتى الآن.

في العام التالي هاجم مئات الشبان في ساكسونيا، لمدة أسبوع كامل، المساكن التي يقيم فيها عمال من موزمبيق وفيتنام. إلى الخلف من المهاجمين تجمهر المئات من عامة الشعب معلنين تأييدهم لما يرونه، وكانت زجاجات المولوتوف تتساقط على المساكن. نماذج العنف هذه تصاعدت وأخذت شكلا سياسيا بات يطلق عليه استرداد البلاد، وذهب قادة تلك الحركات يتباهون بـ"تحرير" بلداتهم من الأجانب.
الشبيبة الألمانية التي فقدت الدولة الأم، وأفقدتها "الوحدة الألمانية" بيئتها المتمثّلة في المجتمع العمّالي المترابط، راحت تؤسس لنفسها هوية جديدة قائمة على التجانس المجتمعي النقي. كانت الدولة الشيوعية تعرّف نفسها بوصفها كيانا سياسيا معاديا للفاشية، وعلى ذلك فقد نأت بنفسها عن أي مراجعة للتاريخ النازي للبلاد، فالنازية ليست سوى مرض رأسمالي، كما قال الخطاب الشيوعي آنذاك. يمكننا القول إن مواطني ألمانيا الشرقية التحقوا، بلا سابق خبرة حقيقية مع الذاكرة ولا التنوع الخلّاق، بمجتمع ليبرالي تدرّب طويلا على الخطيئة والتكفير.
من ظواهر العنف تلك تشكلت قوى سياسية لم يكتب لأغلبها البقاء داخل المجال السياسي. إلى أن تمكن حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي تأسس في عام 2013، من البقاء، ثم الصعود وصولا إلى النجاح الساحق الذي أشرنا إليه أعلاه. قام البديل على حطام أحزاب وحركات يمينية متطرفة نشأت في الشرق، وقدّم نفسه بوصفه سقفا لكل الغاضبين ومناهضي المؤسساتية.

بالكاد تجد سردية أيديولوجية متجانسة داخل ذلك الكيان الموزاييك، ربما باستثناء خطاب متشظّ حول الهوية والذات. العنف، لغة وفعلا، يمثّل واحدة من سمات مؤيدي الحزب. بحسب جهاز أمن الدولة فهناك ما يقارب 15 ألف شخص، ضمن مؤيدي الحزب، مسجّلين رسميا كأفراد ميّالين للعنف بسوابق إجرامية مدونة.
لخصت الباحثة مونيك ريتر دراستها التي حملت عنوان "العنصرية ورعاية المسنين في ألمانيا الشرقية" بجملة سمعتها من إحدى المشاركات: الخوف يسير معك على الدوام. مشاركون عديدون قالوا إنهم يخشون الخروج ليلا بعد نهاية مناوباتهم. تأخذ أجواء الحياة العامة في شرق ألمانيا هذا المنحى الخطر. فقد وثّقت رابطة مراكز استشارات ضحايا العنف اليميني VBRG في العام الماضي عددَ 3167 حادثة اعتداء يمينية عنصرية تضرر منها بشكل مباشر 4298 شخصا، بينهم 600 طفل ومراهق. بيانات المركز الألماني لأبحاث الاندماج والهجرة (DeZIM) تعطي صورة أكثر قلقا عمّا يجري في شرق ألمانيا.

فقد قال 60 % من المستطلعة آراؤهم إن الطريقة التي يدير بها اليمين المتطرف النقاش السياسي تشعرهم بالخوف، وأكد 35% من ذوي الأصول المهاجرة أنهم سيغادرون شرق ألمانيا إذا تمكّن حزب البديل من الحكم. تذهب البيانات بعيدا، فهناك 25% من ذوي الأصول المهاجرة يفكّرون بالفعل في مغادرة ألمانيا.
صورة الخوف والعنف القائمة في ألمانيا الشرقية تشابه إلى حد بعيد سنوات مضارب البيسبول مطلع تسعينيات القرن الماضي. وهي تناقض كليّا أسلوب الحياة القائم على التعددية والتنوع الخلاق كما هو راسخ في الغرب الألماني. الوقائع هذه تؤكد أن شرق ألمانيا ليس اختراعا غربيا ألمانيا بل حقيقة جيوسياسية تشكّلت بفعل التاريخ والسياسة والحروب. وهي، إضافة إلى كونها حقيقة في الجغرافيا السياسية فقد آلت إلى سردية تشكل الهوية والمظلومية والحنين عناصرها المركزية.
كما باتت تهبط من جيل إلى آخر، قابلة للتوارث، وعصية على الذوبان. ها هي الآن يحملها على الأكتاف جيل من المتطرفين المشبّعين بحنين جارف لسنوات لم يشهدوها ولأيام حكم لم يختبروها. بعد ما يزيد على ثلث قرن على الوحدة الألمانية بات جليا أن الديمقراطية الليبرالية ابتلعت مصانع الشرق ومؤسساته، وأدمجتها في بنيتها الرأسمالية. لكنها لم تبذل جهدا احترافيا في سبيل احتواء مجتمع خسر الكيان والقيمة والذاكرة.

الوسوم

#الدولة #كما #الشرق #الشرقية #ألمانيا #العنف #الغرب #شرق #الألماني #البديل
عمان 1

ابقَ على تواصل

كن الأول في معرفة أخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا
و سياسة الخصوصية.
تم الاشتراك بنجاح ✅
+962

اقرأ أيضاً